في مرحلة إقليمية حاسمة تتداخل فيها احتمالات المواجهة المفتوحة مع محاولات الاحتواء، وتتزايد خلالها التهديدات الأمنية والعسكرية لتطال أمن الخليج العربي والممرات البحرية الاستراتيجية وأسواق الطاقة العالمية، تكثّف المملكة العربية السعودية تحركاتها الدبلوماسية والسياسية على جبهات متعددة، تمتد من واشنطن وبكين إلى طهران وإسطنبول، مروراً بالعواصم الأوروبية والآسيوية، وصولاً إلى تعزيز التنسيق العربي المباشر مع الأردن.
هذا الحراك المكثّف لا يعبّر عن ردود فعل لحظية، بل يعكس توجّهاً استراتيجياً تراكمياً قائماً على مفهوم «التحوط الاستراتيجي»، وإدارة الأزمات عبر شبكة واسعة من الشراكات؛ تجمع بين الحوار السياسي والوساطة الإقليمية والتنسيق الأمني والعسكري والانفتاح الموزون على القوى الدولية المؤثرة. فالرياض تسعى بوضوح إلى منع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه، عبر مختلف القنوات، أن أمن المملكة وسيادتها الوطنية ومصالحها الحيوية خطوط حمراء غير قابلة للمساومة.
• واشنطن وأتلانتا: تثبيت الشراكة وتدويل المخاوف الأمنية
في امتداد لهذا المسار، عقد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان سلسلة لقاءات على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا، في 31 تشرين الأول، أبرزها اجتماعه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، حيث بحث الجانبان العلاقات الاستراتيجية وسبل تطوير التعاون في المجالات ذات الأولوية، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية. وتوّج اللقاء بتوقيع عقد مشاركة الولايات المتحدة في معرض إكسبو 2030 الرياض، بما يعكس امتداد الشراكة السعودية - الأميركية إلى المجالات الاقتصادية والتنموية، بالتوازي مع الملفات السياسية والأمنية.
كما التقى الأمير فيصل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وبحث معه العلاقات الثنائية والتصعيد في اليمن والتهديدات التي تواجه الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب. وشملت لقاءاته أيضاً مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا واليابان والبرازيل وكندا، في مشاورات تناولت التطورات الإقليمية والدولية، وأمن الملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد.
وتكشف كثافة هذه اللقاءات عن سعي سعودي إلى حشد تفهّم دولي لمخاطر التهديدات الإقليمية، وإبقاء أمن الممرات البحرية والطاقة ضمن أولويات النقاش الدولي، وعدم التعاطي مع الاعتداءات التي تطال المملكة باعتبارها شأناً محلياً محصوراً، بل باعتبارها تهديداً يتجاوز حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.
• إسطنبول والمنامة: منصات التنسيق الإقليمي وشراكات الاستقرار
وفي 23 تشرين الأول، برز الحراك السعودي الإقليمي في إسطنبول خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول الأربع، التي تضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، بمشاركة وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا في الاجتماع الموسّع.
وتناول الاجتماع الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية، والتطورات الفلسطينية والحاجة إلى حل تفاوضي على أساس الدولتين، والهجمات الحوثية على المملكة واليمن، فضلاً عن حماية حرية الملاحة والحد من التوتر في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأسود.
وتكامل هذا الجهد مع المشاركة السعودية في «حوار المنامة» في 31 تشرين الأول، عبر نائب وزير الخارجية وليد الخريجي، الذي شدّد على ضرورة احتواء الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار، محذّراً من انعكاسات اتساع الصراعات على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي.
• طهران: اختبار الدبلوماسية أمام احتمالات التصعيد
على المسار الإيراني، برزت زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران في 26 تشرين الأول، بمشاركة ممثلين عن الدول المنضوية في اتفاق مكة للدفاع المشترك، وفي مقدمتها باكستان وتركيا.
وأعلنت وزارة الخارجية السعودية أن الزيارة تأتي في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد بين أطراف الأزمة، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطتين القطرية والباكستانية، وفتح قنوات تفاوض تمنع العودة إلى المواجهة العسكرية.
وتكتسب هذه المحطة أهمية استثنائية لأنها تضع الرياض أمام اختبار مزدوج: حماية أمنها من التهديدات، وفي الوقت نفسه منع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة. كما تعكس توظيف المملكة علاقاتها الأمنية والدفاعية في خدمة المسار السياسي، والسعي إلى تحويل التنسيق الإقليمي إلى رافعة للاستقرار، لا مجرد إطار للتعاون العسكري.
• بكين: رسالة القيادة السعودية في توقيت التحوّلات الكبرى
وفي السياق الاستراتيجي نفسه، جاءت الرسالة التي بعث بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ، في الثاني من تشرين الثاني، لتشكل محطة بارزة في الحراك السعودي. وقد نقلها وزير الدولة عضو مجلس الوزراء ومستشار الأمن الوطني الدكتور مساعد بن محمد العيبان، خلال لقائه في بكين وزير الخارجية الصيني وانغ يي، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومدير مكتب لجنة الشؤون الخارجية.
وتكمن أهمية الخطوة في موقع الصين المتنامي في معادلات القوى الدولية، ومصالحها المباشرة باستقرار الخليج وصيانة تدفقات الطاقة والتجارة. كما تعكس حرص الرياض على إبقاء قنوات التواصل الاستراتيجي مفتوحة مع بكين، وتعزيز خياراتها الدبلوماسية من دون الارتهان لمحور دولي واحد، مستفيدة من العلاقة التي رعتها الصين بين السعودية وإيران لإبقاء فرص الحوار الإقليمي قائمة.
• الأردن: تضامن عربي وركيزة أمن متكاملة
وعلى صعيد التنسيق العربي المباشر، استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في الرياض، في الثاني من تشرين الثاني، حيث جرى بحث العلاقات التاريخية ومجالات التعاون الثنائي والتطورات الإقليمية.
وأكد الأمير الحسين تضامن الأردن الكامل مع المملكة، وإدانته الهجمات الحوثية التي تستهدفها، ودعمه الإجراءات السعودية الرامية إلى حماية أمنها وسيادتها ومواطنيها والمقيمين فيها، مشدداً على أن أمن السعودية لا ينفصل عن أمن الأردن، وأن أمن دول الخليج ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة.
• سيول وطوكيو: تنويع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية
وعلى المسار الدفاعي، أجرى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان اتصالين هاتفيين منفصلين في الثاني من تشرين الثاني، الأول مع وزير الدفاع الوطني الكوري الجنوبي كانغ شين تشول، والثاني مع وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي.
ولا تقتصر دلالات هذه الاتصالات على التنسيق الدفاعي التقليدي، بل تعكس توجّهاً سعودياً نحو تنويع الشراكات العسكرية والتكنولوجية والانفتاح على القوى الآسيوية المتقدمة صناعياً ودفاعياً. ويتصل هذا التوجه بأهداف رؤية 2030 في توطين الصناعات الدفاعية ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز القدرات الوطنية، وتوسيع هامش الاستقلالية الاستراتيجية، من دون حصر خيارات المملكة في أطر التحالفات الغربية التقليدية.
• التحوّط الاستراتيجي: دبلوماسية الردع والانفتاح
هذه التحركات، تكشف عن هندسة سياسية سعودية تقوم على التوازن بين الدبلوماسية والردع، وبين الانفتاح على القوى الدولية وتعزيز التنسيق الإقليمي، وبين صون الأمن الوطني والمساهمة في كبح أسباب الصراع.
فالرياض، في الوقت الذي تبقي فيه مسارات الحوار والتهدئة مفتوحة وتنسق مع مختلف القوى الفاعلة، تتحرك من موقع يجمع بين الجاهزية الدفاعية والانفتاح الدبلوماسي، ولا تفصل جهود خفض التصعيد عن حقها الكامل في الدفاع عن أمنها وسيادتها ومصالحها الحيوية.
وفي المحصلة، تكرّس المملكة نموذجاً دبلوماسياً يسعى إلى التأثير في مساراتها قبل انفجارها، وبناء شبكة تفاهمات وشراكات تتيح لها المشاركة في صياغة توازنات إقليمية جديدة. إنها دبلوماسية متعددة المسارات، عنوانها التحوط الاستراتيجي، وغايتها حماية الأمن الوطني السعودي والمساهمة في استقرار المنطقة في زمن التحوّلات الدولية المتسارعة.