عام >عام
لبنان: أنركن لحلم واهم أم كسرُقيدً وتحرير!
لبنان: أنركن لحلم واهم أم كسرُقيدً وتحرير! ‎الخميس 16 حزيران 2022 11:31 ص
لبنان: أنركن لحلم واهم أم كسرُقيدً وتحرير!

د. حسين عبيد

نعيش في هذه الأيام، لظى اللّوعة على لبنان الحلم، الذي كنّا نراه متألقًا، فرسمنا صورة المستقبل التي لم تنطبق حساباتها على صورة أحلامنا، وحلمنا بلبنان المعافى المستقل، ولكن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، بفعل فاعل، وقدرة قادر، وعشنا في ظلال الحروب والصراعات، والمنحى هو هو، حتى أغرقنا الفساد في متاهاته، وباتت كلمة الإصلاح في منطوق أهل السياسة سفرًا من أسفار التكوين، فثمة من يطالب في الخارج بالإصلاحات، وربطها بالمساعدات، هم أنفسهم غارقون في الفساد، ومشاركون بفساد منظومتكم الحاكمة، لو كانوا فعلًا غيورين على مصالحكم، لما تركوا حكوماتكم تستدين، وتغرقكم بالديون، وتصل بنا الأمور إلى هذا الدرك السافل والأسفل من الانحطاط، ومزيّة الإمعان تضرب بين صولات المركزي، وجولات المصارف، بين هبّات الخارج، وفحيح الداخل، الأبواب مشرعة للإعاشات، والصدور فارهة، تسابقها موجات جنون بالغلاء والاحتكار، وفقدان الضروريّات الضروريّات، حتى بتنا نلهث وراء منظومة فاسدة مُفسدة، مرتكزها أخطبوط دولة مافيوية عميقة، تبث سموم حقدها في كل الاتجاهات.
إمعان في الفساد والإفساد حتى تبخرت الثروات واستنزفت الطاقات، وخارج متوحش يمعن حصارًا وتجوبعًا وتضليلًا وتزييفًا، تمهيدًا للحظة الحاسمة لإخضاع الشعب وامتهان الإذلال، وأضحى الشعب مرميًّا خائر القوى أمام فكّي تمساح،صندوق نقد دولي، تعتصر دموعه شراهة الافتراس لكم،موسومًا بعنواندامغ "منقذكم ومحطة خلاصكم".
أمّا ويظهرون اليوم أنفسهم بمظهر المنقذين الغيورين، فهذا من أبشع أنواع الاستغلال، ولو تأملتم قليلًا لترون أنّ ما دفع بحسّهم الإنساني المفاجئ لإنقاذكم، ليس حبًّا بكم، ولا تعنيهم مصالحكم، من قريب أو بعيد، إنّما هو دخول لبنانا في مجالات الصراع الدولي الأعمى، واحدة منها الحنين إلى الماضي، سمّها ما شئت (احتلال، انتداب، حكم....)، والهدف السيطرة والهيمنة، والاستحواذ على خيرات بلادنا، ودَكّنا في منظوماتهم واستئصال ذواتنا وشخصياتنا، وهنا تطلق العنان لمخيلاتنا، في حلم موهوم، نتناسى على وقع بهرجة المخاطر التي تحتف بوجودنا ومصائرنا، نبيعها بثمن بخس لمصالح الخارج ونزواته، نتماهى مع أطروحاته، ونروّج لها، فنطرب، ونكاد نطير فرحًا لمجرد سماعنا بها، فنقيم التحليلات، ونطلق العنان للمخيلات الموهومة، بحلم قادم، ولو كان ما يعنيه لنا إلّا سرابًا.
ننتظر قدوم الوافدين، ونحصد الخيبة تلو الخيبة، حتى بتنا خجولين ومحرجين، هاهو الأول من أيلول على مسافة أيام معدودات، مقرونًا بذكرى ماية وسنتين لقيامة دولة لبنان الكبير، خسرنا معها حلمًا ألبسناه جماعة مزيفة، فتحول ذاك الحلم الباسق الوسيم، إلى وهم خطّت التجاعيد على وجهه حكاية سقوط الهيكل الأخير من عليائه.
لعمري، من أين الإصلاح في الداخل، وإصلاح الخارج، هو في ظلاله رهين، لو كنّا صادقين، لما احتجنا إلى من يلقي علينا مواعظ في الإصلاح، ولا كنّا ترحمنا على ثلة من المصلحين، وهم بشتى الأحوال متهمون، ويبقى السؤال ما دمنا على هذه الحال، هل يُرجى إصلاح في بلدنا، ونحن الأربعة ملايين، قد لا نجد أحدنا صافٍ في انتمائه للوطن، فالكل تحت مقصلة الاستتباع الخارجي، بمسمياتها المختلفة... وسهام الشك المتبادل تطال الجميع.
فأين الثقة؟ وعن أيّ ثقة نتحدث! أيّها اللبنانيّون، مع اعتذاري المسبق، والشك يحوم حولي، ومن حولكم، فأنتم بلبنانياتكم متّهمون، دائمًا نسأل الخارج ماذا تريدون، ويسألوننا ما عساكم فاعلون، ونسألهم عن أيّ لبنان تتحدثون؟ ولم نسل أنفسنا، أيّ لبنان نريد...! ندري وتدرون، هواجس وقلق على المصير، فهل نركن لحلم واهم؟ أم إصلاحٌ وكسرُ قيدٍ وتحرير....!!!
* باحث في القضايا الفكريّة والتربويّة والتاريخيّة.

المصدر : جنوبيات