بأقلامهم >بأقلامهم
هل توافق واشنطن على دمج ترسانة "الحزب" في الجيش اللبناني؟
هل توافق واشنطن على دمج ترسانة "الحزب" في الجيش اللبناني؟ ‎الأربعاء 11 12 2024 08:47 العميد محمد الحسيني
هل توافق واشنطن على دمج ترسانة "الحزب" في الجيش اللبناني؟


مثلما عاد القرار 1701 الى الواجهة العالمية من خلال عدوان ال66 يوماً الإسرائيلي على لبنان، وانتهى بوقف إطلاق النار على أساس تطبيق هذا القرار مع تعديلاته السرية من ضمنها "حرية التحرك" لجيش الاحتلال ضد "حزب الله" عل امتداد مساحة الوطن حتى تحقيق مأربه بتنفيذ القرار 1559، بما فيه إغلاق طريق السلاح الإيراني إلى المقاومة عبر السيطرة على الحدود اللبنانية – السورية. كذلك أيضاً عاد الحديث عن القرار 2254 المتخذ بالإجماع في 18 ديسمبر 2015، والمتعلق بوقف إطلاق النار والتوصل لتسوية سياسية للوضع في سوريا، إلى الواجهة الدولية مجدداً إثر الهجوم المباغت الذي شنّته الجماعات المسلحة المعارضة ذات الخليط الدولي تحت راية "هيئة تحرير الشام"، ضد الجيش العربي السوري بدءاً من مواقع انتشاره في حلب إلى حماة وصولاً إلى حمص  حتى دخولهم دون قتال العاصمة دمشق، وذك وفق وتيرة متدحرجة ومتسارعة لهذه الجماعات، يقابلها انهيار دراماتيكي مفاجئ لدفاعات الجيش السوري، تجعل من بديهيات الأمور دراسة الانعكاسات الجيوسياسية لهذه الحرب في سوريا، عدا عن دور كل من الأمريكي والتركي والروسي ناهيك عن العدو الاسرائيلي، وأسباب وتوقيت اندلاعها المفاجئ وتداعياتها الجيوستراتيجية على المنطقة كافة، وفقاً لما يلي:

توقيت بدء الهجوم في يوم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بين العدو الإسرائيلي و"حزب الله"، يحمل في طياته تنسيق وتوافق تركي- اسرائيلي- أمريكي - روسي على إنهاء نظام الأسد بعد أن أُنهك "حزب الله" على مدى 13 شهراً من الحرب، في ظل عجزه عن التدخل في سوريا على غرار ما حصل سابقاً خلال العام 2011، فضلاً عن تداعيات وصول الإصلاحيين الى سدة الرئاسة في ايران على السياسة الخارجية الايرانية. هذا التوافق الرباعي يأتي وفقاً لمصالح كل بلد، فالتركي لديه أطماعه التاريخية في شمال سوريا وقد عبر عنها بصراحة واضحة، والعدو الاسرائيلي عدا عن أطماعه التوراتية والاستراتجية في سوريا والتي ظهرت من خلال توغله لمسافة 14 كلم ضمن الأراضي السورية، يأخذ منه ملف إنهاء النفوذ الايراني في سوريا حيزاً كبيراً وأولوية مطلقة لما يعنيه ذلك من تطويق وشلّ لخط الإمداد اللوجيستي لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، أما الأمريكي فعدا عن توافقه مع العدو فيما خص إنهاءهما المشترك للوجود الإيراني في سوريا، تأتي شهوة السلطة والسيطرة لدى "واشنطن" على منابع الغاز في الحوض الشرقي للبحر المتوسط في المقام الأول، وبالنسبة للروسي الذي يمتلك نفوذاً كبيراً داخل الجيش السوري لأشرافه المباشر على إعادة التنظيم والتجهيز والتدريب لوحداته كافة، قد يكون لديه مصلحة واحدة في ذلك وهو التنازل عن نفوذه في سوريا مقابل أوكرانيا، وهذا ما قد يظهر في المستقبل القريب، وإلا ما معنى هذه الانسحابات غير المسبوقة للجيش السوري؟ وهل يُعقل أن الجيش الروسي الذي يُجري استطلاعات يومية في الأجواء السورية، لم يلحظ الحشودات المسلحة للمعارضة؟ وما معنى كلام بوتين لأردوغان خلال الاتصال الهاتفي فيما بينهما، حول وجوب إنهاء "العدوان الارهابي" على سوريا بأقرب وقت ممكن؟ ولماذا لم يطلب منه انسحاب المسلحين وعودتهم إلى إدلب؟ ولماذا لم يُذّكر نظيره التركي باتفاق خفض التصعيد المعمول به في سوريا منذ العام 2017 بين كل من موسكو وأنقرة وطهران والذي عُرف باتفاق"الاستانة"؟
محاولات المحطة الأمريكيةوا "CNN" تلميع صورة أحمد الشاعر المعروف  ب"ابو محمد الجولاني" زعيم "هيئة تحرير الشام" التي تشكلت من جبهة النصرة الفرع السابق لتنظيم القاعدة الارهابي، من خلال إظهار تنظيمه المصنف ارهابياً في إطار مؤسساتي جديد، أولها لجهة تحوله من تنظيم جهادي متطرف إلى مجموعة تسعى لبناء نظام سياسي قائم على حكومة مؤسساتية، من دون استخدام أي من عبارات "الديمقراطية" أو "الاسلامية"، مما يحمل دلالات مبهمة حول شكل هذه الحكومة المزعوم إنشاءها. ثانيها لجهة الإعلان عن وقف الانتهاكات بحق المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام" وبالأخص محاولات الإبادة للأقليات الدينية والعرقية ومحاسبة المسؤولين عنها، وهذا ما تُشكك فيه جماعات حقوق الإنسان، ثالثها لجهة اعتبار تصنيف "هيئة تحرير الشام" كمنظمة إرهابية هو تصنيف "سياسي وغير دقيق، وبأن لا أهداف جهادية متطرفة لديها كما كان الحال مع تنظيم القاعدة، كما أظهرت المحطة المذكورة على أن معركة التنظيم ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لتحقيق هدف أسمى وهو الإطاحة بالنظام السوري. وقد ظهر جلياً ذلك فيما بعد من خلال نزع واشنطن صفة الأرهاب عن "هيئة تحرير الشام؟
تراجع الحضور الإيراني على الساحة السورية لعدة أسباب أبرزها الانكشاف الأمني للعدو الاسرائيلي والتي تُحمل إيران مسؤوليته لنظام الأسد والاختلافات في الرؤية السياسية للقيادة الجديدة في ايران عن سابقاتها لاسيما في مقاربتهم للملفات الساخنة في المنطقة وربطها بأولويات الملف النووي الإيراني والسلام العالمي، في ظل كلمة المستشار الاستراتيجي للرئيس الإيراني محمد جواد ظريف التي وجهها ليهود العالم حين بدأها ب"شالوم" وأنهاها في التذكير بالعلاقات التاريخية الفارسية اليهودية وروح السلام لدى الشعب الفارسي، مما يحمل الكثير من علامات الاستفهام؟ وبالأخص أنها جاءت في جو الحرب التوراتية على لبنان، وما كان ينقصه إلا أن يُذكرهم بمقام "أستير" و"مردخاي" الذي هو ثاني أقدس المقامات اليهودية في العالم، ويقع في مركز مدينة همدان غرب إيران. وبالأخص أيضاً أنها جاءت بعد الكشف عن رسالة الإمام الخامنئي لأمين عام حزب الله الشهيد السيد حسن نصرالله قبل ليال من اغتياله، إذ يحذّره من عملية اغتيال تستهدفه طالباً منه الخروج من لبنان، معبراً له عن قلقه الكبير في الوقت الحالي من الاختراقات الصهيونية لأعلى الطبقات الحكومية في طهران. فمن كان يقصد بذلك الإمام الخامنئي؟ وهل من بعد لبنان وسوريا سنشهد تغييراً في العقيدة الجيوستراتيجية للحرس الثوري الإيراني لخفض التوتر الداخلي بينهم وبين الإصلاحيين؟
عدم تصدي الجيش السوري بفعالية للمعارضة وتسليمه للمدن والمحافظات، والأنسحاب السريع للمسؤولين الإيرانيين من سوريا، يقابله غموض الموقف الروسي، ولجؤ بشار الأسد وعائلته المفاجىء إلى موسكو يؤكد أن هناك اتفاق على انتقال سريع وسلمي للسلطة، لكن من دون مراسيم استلام وتسليم.
من هنا بدأت تتوضح أكثر فأكثر المشهدية المرسومة للمنطقة ومعالم هذا المخطط الأمريكي- الصهيوني، وربطها بعبارات "نتانياهو" المتفاخرة حول الشرق الأوسط الجديد، وهي أنّ الحرب على لبنان كانت واقعة لا محالة، حيث أنّ العدو الاسرائيلي كان بوارد المبادرة اليها بطريقة أو بأخرى، وذلك من دون "طوفان الأقصى" ومن دون "7 أكتوبر" ومن دون دخول حزب الله في معركة إسناد غزة، فما هو مخطط له كان قد بوشر بتنفيذه تدريجياً وعلى مراحل منذ عدة سنوات منذ عملية اغتيال "قاسم سليماني" الى اغتيال "ابراهيم رئيسي" إلى اغتيالات قادة الحرس الثوري في سوريا حتى التخطيط لعمليات البيجرات وتفجيرها إلى اغتيالات قادة المقاومة، ليعود هذا المخطط إلى سوريا بغية القضاء على النظام الحالي في حده الأقصى أو في تقسيم سوريا كحد ادنى… ويبقى للبنان حصته من هذا الخطر الداهم على حدوده الشمالية، عدا عن استمرار الخروقات الصهيونية لقرار وقف إطلاق النار لاسيما عند الحدود الجنوبية، وبغض النظر عن واجبات الجيش اللبناني في الدفاع عن حدود الدولة كافة، يبقى أنه أمام الحجم الكبير لهذين الخطرين، أولهما التكفيري من جهة وثانيهما الصهيوني من جهة أخرى، وأمام الحاجة العسكرية الملحة لرفد الجيش بالمتطوعين، لذا تقضي الضرورة الوطنية على جميع الأحزاب خاصة والمواطنين عامة، أن يقفوا متكاتفين متضامنين خلف الجيش اللبناني حماية لحدود الوطن من شماله إلى جنوبه بما فيهم "حزب الله" مع ما يمتلكه من قدرات قتالية وتجهيزات عسكرية…فهل تبادر السلطات اللبنانية إلى ذلك؟ وهل توافق واشنطن على دمج المقاومة في الجيش بطريقة أو بأخرى؟ وكيف سيتعاطى حزب الله مع المتغيرات الإقليمية الجديدة؟ وما هو استعداده للإصغاء في ظل هذه الظروف والتطورات لنبض بيئته التي أنهكتها الحروب في زمن قد تداعت فيه كل دول العالم عليه؟...