25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "سلطانُ الأباريق... حكايةُ التضييق"!
"سلطانُ الأباريق... حكايةُ التضييق"!
القاضي م جمال الحلو
2025-09-06
"سلطانُ الأباريق... حكايةُ التضييق"!

يُحكى أنّ رجلاً كانت وظيفتُه في حمّامٍ عموميّ أن يُشرفَ على الأباريق، يتأكّد من امتلائِها بالماءِ، ويعطي الداخلين واحدًا منها، ثمّ يُعيدونه بعد قضاء الحاجة ليملأه مجدّدًا للذي يليه.

وفي أحدِ الأيّام جاء شخصٌ مستعجلٌ، خطف إبريقًا وانطلق مسرعًا. فصرخ به المسؤولُ وأمره بالعودة فورًا. رجع الرجلُ على مضض، فأمره بأن يترك الإبريقَ الذي أمسك به وأن يأخذَ آخر بجانبه.

تعجّب الرجلُ وقال بعد أن عاد:
ـ "وما الفرقُ بين هذا وذاك؟"

فأجابه المسؤولُ بلهجةٍ متعجرفة:
ـ "إذًا ما هو عملي هنا؟!"

ذلك الرجلُ لم يكن يحرص على النظام بقدر ما كان يحرص على إظهار سلطتِه وتضخيم أهميّته، وكأنّه صار سلطانَ الأباريق.

وللأسف، فإنّ سلطان الأباريق لم يندثر مع ذلك الحمّام القديم، بل ما زال حيًّا بيننا؛ تراه في الوزارات والمؤسّسات، في الجامعات والمدارس، في المطارات والمرافئ... بل في كلّ مكانٍ تتعامل فيه مع مَن ظنّ أنّ السلطةَ في التعقيد لا في التيسير.

ألم يحدث أن تعطّلت معاملتُك أيّامًا بلا سبب، لأنّها وقعت بين يدي "سلطان الأباريق" الذي يأمرك أن تعود بعد يومين، مع أنّها لا تحتاج إلّا لمراجعةٍ سريعة؟!
إنّه التعطيلُ من أجل إثبات الأهميّة، والتجهّمُ من أجل الإيحاء بالقوّة.

إنّها ثقافةٌ تستند إلى مركّبِ نقصٍ لا إلى كمال، وإلى وهمِ الهيبة لا إلى حقيقتِها.
ثقافةٌ ترى في التضييق تشديدًا للهيبة، وفي اللينِ علامةَ ضعف.

ولم يُدرك أصحابُها أنّ أهمّيّتهم تستمدّ من كراسيهم لا من ذواتهم، وأنّ الخلودَ في ذاكرة الناس لا تصنعه الأبوابُ المغلقة بل الأيدي الممدودة بالعون.

في ملخّص القول:
إنّها دعوةٌ إلى تبسيطِ الأمور لا إلى تعقيدِها،
إلى التيسيرِ لا إلى التعسير،
إلى الرفقِ بالناس لا إلى مشقّتِهم.

فلْنُدركْ جميعًا أنّ العظمةَ في خدمةِ الناس لا في إرهاقهم،
وأنّ الكِبَر في التسهيل لا في التعقيد.

فكم نحن بحاجةٍ، في هذا الزمن المرهق، إلى التخلّص من ذهنيّة سلطان الأباريق... وما أكثرهم!


 

جنوبيات
أخبار مماثلة