الأمثالُ ليست كلماتٍ عابرةً، بل هي تجاربُ ووقائعُ حوَّلها العقلُ الجَمَاعِيُّ إلى حِكَمٍ تُضيءُ الطريق. ومن أشهرها مثلٌ عربيٌّ بليغٌ: «أُكِلتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأبيض»، وهو مَثَلٌ يُضرَبُ في التفرقةِ والتخاذلِ عن نصرةِ الشريك، حتى يذوقَ المُتخاذلُ ذاتَ المصير.
يُروى أنَّ ثلاثةَ ثيرانٍ: أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، كانت ترعى في مرجٍ فسيحٍ بأمانٍ ووِفاق. وكان هناك أسدٌ يتربَّصُ بها، لكنَّه لم يستطعْ أن ينالَ منها ما دامت مُجتمعةً متعاونة. فدبَّرَ مَكيدة، فاقتربَ من الثورَين الأسودِ والأحمرِ وقال لهما: «إنَّ لونَ الثورِ الأبيضِ يَفضحكما ويُعرِّضُكما للخطر، فدعوني أَلتهمْه وأُبقيكما في سلام». فوافقا على غَدرِ رفيقِهما، فأكَلَ الأسدُ الثورَ الأبيضَ.
وبعد أيامٍ عاد الأسدُ إلى الثورين، وقال للأحمر: «لونُ رفيقِك يُشكِّل خطرًا، دعني أُزيلُه عنك». فوافقَ الثورُ الأحمرُ، فأكَلَ الأسدُ الثورَ الأسود َ. ثم التفتَ إلى الثورِ الأحمرِ، فلم يجدْ هذا المسكينُ مَن يُدافعُ عنه. وحين هَجمَ عليه الأسدُ، صاحَ مُستسلِمًا: «أُكِلتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأبيض».
يضرب هذا المثل فيمن يتركُ نصرةَ شريكِه أو أخيه، ويقفُ متفرِّجًا على ظُلمٍ لا يمسُّه مباشرة، فإذا بالدائرةِ تدورُ عليه يومًا ما. إنَّه دعوةٌ صريحةٌ إلى التضامن، وتحذيرٌ من التخاذل والتفرقة؛ فمَن لم يقفْ مع أخيه اليوم، لن يجدَ مَن يقفُ معه غدًا.
يقول العرب: «الجارُ قبلَ الدار»، إشارةً إلى أنَّ القُربَ لا يَصلحُ بلا وفاءٍ وتعاون.
وفي القرآن الكريم جاء التحذير من الفُرقة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
ومن الأمثال العالمية ما يُشبهه: «الاتحاد قوّة».
*صفوة القول*:
إنَّ «أُكِلتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأبيض» ليس مجرَّد حكايةٍ عن ثيرانٍ وأسد، بل هو مرآةٌ لحياتِنا نحنُ البشر؛ فإذا سمحْنا للفرقةِ أن تتسلَّلَ بيننا، كنَّا كالثيران التي خانت رفيقَها، فلم تلبثْ أن خانها الدهرُ جميعًا.
فحذارِ أن نكونَ مثلَ ذلك الثورِ الأحمر الذي لم يتَّعظ، وأدركَ الحقيقةَ متأخِّرًا. فالوحدةُ درعٌ، والتخاذلُ سيفٌ مسلَّطٌ على رقابِنا.
فهل من يتّعظ؟!