هل حدث يوماً أنك كنت واثقاً تمام الثقة من وقوع موقف معين، ثم اكتشفت لاحقاً أن هذا الموقف لم يحدث أبداً
هل استعدت مشهداً من فيلم قديم، وشعرت أن ثمة تفصيلاً ما قد تغيّر عمّا كنت شاهدته؟
أو ربما عشت لحظة شعرت خلالها أنك مررت بها من قبل، ذات المكان، ذات الأصوات، ونفس الحديث...
لا تتعجل في لوم ذاكرتك.
جميعنا اختبرنا هذه اللحظات الغريبة، التي تنسج حولنا خيوطاً من الدهشة والارتباك. أحياناً نخشى حتى البوح بها خشية أن يُساء فهمنا.
قد تكون جالساً بين أصدقائك أو تمر بمكان ما، فيسيطر فجأة إحساس داخلي عميق: "لقد كنت هنا من قبل و عشت هذا المشهد سابقاً".
لكن، هذه اللحظة رغم قوتها لا تدوم بل تتلاشى بسرعة، تاركة خلفها نوع من الغموض لا يمكن الإمساك بها.
هذه الظاهرة التي حيّرت العقول تُعرف بإسم "الديجافو"، وقد شغلت الكثير من علماء النفس والفلاسفة، الذين سعوا جاهدين لفهم أسرارها وتفسيرها.
يرى بعض علماء النفس أن ما يحدث ليس أكثر من خيال خادع، وأن دماغنا أحياناً يُعيد ترتيب المعلومات بشكل يوهمنا بأننا عشنا الموقف من قبل.
بينما رأي أطباء الأعصاب أن هناك خلل مؤقت في إشارات الدماغ، لا يدوم أكثر من لحظات.
وهناك من يربط الظاهرة بجذور أعمق، ذكريات الطفولة المبكرة التي تسكن أعماق العقل الباطن.
أو حتى مرحلة ما قبل الولادة، حيث يرى بعضهم أن الجنين يشاهد شريط حياته قبل أن يولد.
بل إن بعض المعتقدات تذهب أبعد من ذلك، وتقول: إن الإنسان عاش حياة سابقة في جسد آخر، وحين يرى مكاناً أو يعيش موقفاً معيناً، يسترجع من تلك الحياة ومضات قديمة وهي فكرة تُعرف بتناسخ الأرواح.
وثمة من يربطها بأحلام منسية أو بتجارب "الخروج من الجسد"، حيث يعيش الإنسان لحظات خارج نطاق الزمان والمكان.
*ماذا تقول العلوم الحديثة؟*
من الناحية العصبية، ينقسم الدماغ إلى شقين: أيمن وأيسر، ولكل منهما دوره في استقبال المعلومات ومعالجتها.
في بعض الأحيان، قد يحدث أن يبدأ أحد الشقين في استقبال المعلومات قبل الآخر بجزء من الثانية، فتتكوّن لديك صورة ناقصة للواقع.
ثم حين ينضم الشق الآخر وتكتمل الصورة، يشعر الدماغ وكأنه رأى هذا من قبل، والحقيقة أنه رآه للتو، ولكن على مراحل متقطعة.
هناك أيضاً تفسير آخر يرتبط بسرعة معالجة الإشارات في الدماغ،
فعند رؤية مشهد معين، يقوم الجزء المسؤول عن الترجمة البصرية بتكوين الصورة، أما الجزء المسؤول عن الاستيعاب والإدراك فيأتي دوره لاحقاً.
إذا حدث خلل بسيط في التوقيت بين العمليّتين، تدخل المعلومة إلى الذاكرة قبل أن تُفهم، وعندما تصل إلى مركز الإدراك، يُخيّل للدماغ أنها ذكرى قديمة.
ورغم التقدم الكبير في علم النفس وعلم الأعصاب، فإننا لا نزال نجهل الكثير عن أسرار الدماغ.
فالذاكرة البشرية، بكل عظمتها، ليست معصومة من الخطأ، بل قد تكون أكثر قابلية للخداع مما نظن.
وهكذا تبقى ظاهرة "سبق الرؤية" لغزاً معلقاً بين العلم والحدس، بين التفسير العقلي والطرح الروحي، وبين لحظة نشعر فيها أننا نعرف كل شيء، ولحظة أخرى لا نعرف فيها شيئاً على الإطلاق.