ليست الكلمات وحدها وسيلة للتواصل، فهناك لغة صامتة تعلو فوق الحروف وتسبق اللسان.
لغة لا تحتاج إلى قاموس ولا إلى ترجمة، إنها لغة العين.
فالعين مرآة الروح، وبريقها يفضح ما يحاول القلب إخفاءه، وما تقوله في لحظة واحدة قد يعجز لسان فصيح أن يبوح به في ألف صفحة.
نظرة واحدة قد تكون وعداً، وقد تكون اعترافاً، أو استغاثة لا يسمعها أحد سواك.
وقد تحمل نظرة أخرى عتاباً صامتاً يفوق في شدته قسوة الكلام.
لهذا كانت العيون أكثر صدقاً من الشفاه، فهي لا تجيد التمثيل، ولا تعرف كيف تزوّر مشاعرها.
إن ما يُقال بالأعين لا يُنسى أبداً، لأنه يرتبط بالذاكرة العاطفية لا بالذاكرة العقلية.
فحين تتذكر كلمة، ربما تنساها مع الزمن أو تتغير معانيها في ذهنك، أما النظرة فتبقى كما هي، ثابتة في عمق الوجدان، تحضر بكامل تفاصيلها كما لو أنها حدثت بالأمس.
كم من حب بدأ بنظرة.. وكم من قلوب اجتمعت قبل أن تتبادل أي حرف.. وكم من فراق حُسم بصمت طويل ونظرة أخيرة، لم يستطع الزمن محوها مهما طال.
العين لا تحتاج إلى حروف كي تقول: "اشتقت"، ولا إلى جملة كي تعترف: "أحبك".
نظرة صادقة تكفي لتكتب رواية كاملة. لهذا قيل: إن العيون أوفى الشهود، وأصدق الرسائل، وأعمق الأثر.
فلنتعلّم أن نصغي إلى هذه اللغة الخفيّة.
أن نقرأ ما وراء النظرات قبل أن نبحث عن الكلمات، فربما كان ما لم يُقل، أقوى بكثير مما قيل!