في بلد تتداخل فيه الأزمات مع تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد مستغرباً أن تتحول الفضائح الغذائية إلى أخبار عابرة.
ولم يعد الغش الغذائي، مجرد استثناء، بل تحوّل إلى ممارسة شبه عادية.
خلف واجهات بعض المصانع، تدور عمليات "تصنيع" لا تمت بصلة إلى المعايير الصحية: عظام، جلود، وأحياناً بقايا المسالخ تتحوّل إلى "مرتديلا" تباع للمستهلك على أنها منتج لحوم طبيعي. هذه ليست مجرد شائعة، بل واقع يكشف عنه خبراء ومصادر داخل القطاع.
وزارة الصحة ووزارة الاقتصاد تعلنان بشكل متكرر عن جولات تفتيشية، لكن النتائج غالباً ما تبقى حبيسة البيانات الصحفية.
مصادر مطلعة تؤكد أن بعض المصانع المخالفة تعود ملكيتها إلى شخصيات نافذة، ما يجعل إقفالها أو محاسبتها شبه مستحيل!
خبير تغذية لبناني علّق قائلاً:
"الاستهلاك المستمر لمثل هذه المنتجات يعرّض الجسم لمشاكل صحية خطيرة: من التسممات الغذائية إلى أمراض الكبد والكلى، وصولاً إلى زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان نتيجة المواد الكيميائية المستخدمة".
المواطن بين الغلاء والغش
مع ارتفاع أسعار اللحوم الطازجة إلى مستويات غير مسبوقة، يلجأ الكثير من اللبنانيين إلى البدائل الأرخص.
المرتديلا بسعرها المنخفض، تُغري العائلات التي تبحث عن وجبة مشبعة للأطفال.
لكن ما يُقدّم على أنه "لحوم مصنّعة" قد لا يكون سوى مزيج من بقايا عظام وجلود مطحونة، مضافاً إليها ملونات ونكهات صناعية لإخفاء الطعم والرائحة.
الخطورة الأكبر لا تكمن فقط في الغش، بل في تعويد المستهلك على قبول الرداءة.
بمرور الوقت، يصبح "اللحم الوهمي" طبيعياً، ويُدفن مفهوم الجودة خلف شعارات تسويقية مثل "منتج محلي" أو "صناعة لبنانية".
من المسؤول؟
المسؤولية مشتركة:
- الدولة بتقصيرها في الرقابة والمحاسبة.
- المصانع المخالفة بجشعها.
- بعض التجار الذين يسوّقون الوهم على أنه غذاء.
والنتيجة: المستهلك يدفع الثمن مضاعفاً من صحته أولاً، ومن كرامته الإنسانية ثانياً.
إنها ليست قصة مرتديلا فاسدة فحسب، بل مرآة لوضع بلد يعتاش فيه الفساد حتى من لقمة الناس.
فضيحة "مرتديلا العظام والجلود" ليست مجرد ملف غذائي، بل صورة مصغّرة عن لبنان اليوم: بلد تُهرَس فيه القيم كما تُهرَس بقايا المسالخ في الماكينات.
وبينما يغيب القانون، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع من صحته ما لا يقدر أن يدفعه من جيبه!