لهفة البدايات كالنار في الهشيم، تضيء فجأةً وتغري العين ببريقها، لكنّها سرعان ما تخبو إن لم تجد ما يُغذيها.
ليست حباً، بل دهشة عابرة، وسحر سريع الانطفاء، يظنّها القلب حباً لأنها تهزّه لأول مرة، غير أن الحب أعمق من أن يُختزل في رعشة أو انجذاب أول.
لا يحب الإنسان في أسبوع، ولا في شهر. الحب لا يولد على عتبة اللقاء، ولا ينمو على حواف الكلمات المعسولة.
الحب بناء يحتاج وقتاً، يحتاج صبراً، يحتاج امتحاناً.
يشبه البحر: لا يُعرف من الشاطئ، بل حين تغوص في عمقه، حين تصفعك أمواجه، وتجرحك صخوره، وتكشف لك ظلمته وسرّه. عندها فقط تفهم معناه.
الحماس جميل، لكنّه لا يدوم. وما إن يخفت، حتى يتعرّى القلب، وتنكشف النفوس كما هي.
هناك يبدأ الامتحان: هل يبقى العهد بعد انطفاء الشرارة؟
هل يظل القلب مُحبّاً حين يغيب الاندفاع وتزول النشوة؟
الحب الحقيقي لا يعرفه المرء في لحظات الدهشة، بل في لحظات الفتور. حين يطول الصمت ولا ينقطع الحضور، حين يبرد الكلام لكن يبقى الدفء، حين يغيب الوهج وتبقى النار ملتهبة في العمق.
الحب ليس قصيدة تُلقى في لحظة، بل كتاب طويل تُقرأ صفحاته على مهل.
ليس وعداً يُقال في انفعال، بل ثباتاً يُثبت في الأزمات. الحب الحقيقي لا يتقن لغة البدايات، بل يجيد فن الاستمرار. إنّه الطمأنينة بعد العاصفة، السكينة بعد الضجيج، اليقين بعد الحيرة.
فلا تنخدع ببريق البداية، ولا تظن أنّ لهفة الأيام الأولى هي الحب. إنّما الحب ما يبقى بعد أن يرحل كل ذلك. الحب ليس من يُدهشك في أول الطريق، بل من يطمئنك في آخره. ليس من يملأ نهارك بالوعود، بل من يملأ عمرك بالثبات.
تذكّر دائماً:
"الحب ليس اندفاعاً يفتننا في البدء، بل صبراً يحتضننا في النهايات."
لهفة البدايات قد تُسكر القلب، لكنّها لا تكفي. الحب يبدأ حين ينتهي الحماس، وحين يثبت الآخر أنّه وطن، لا محطة عابرة.