في بداية كل علاقة، يبدو الشاب وكأنه يعيش أجمل فصول الحكاية. يكرّس وقته، ويمنح اهتمامه، ويبحث عن أي تفصيل صغير يمكن أن يُدخل السعادة إلى قلب من أحب.
لا يعرف معنى الانشغال، ولا يتذرّع بضيق الوقت، فكل الدقائق تتّسع حين ينبض القلب بشغف البداية.
لكن، ما إن تقع الفتاة في حبّه، وتمنحه ثقتها، حتى يبدأ ذلك البريق بالخفوت شيئاً فشيئاً.
يتبدّل في كلامه، تقلّ مبادراته، ويبدأ في تكرار العبارات ذاتها: "كنت مشغولاً"، "ما عندي وقت"، وكأنّ قلبه الذي كان يوماً ممتلئاً بالاندفاع قد أُنهك فجأة من الاهتمام.
يتحوّل ذاك الذي كان ينتظر الرسالة ليرد فوراً، إلى شخص يقرأها ثمّ يتركها دون جواب.
وذاك الذي كان يخلق الأعذار ليبقى على تواصل، أصبح يصنع الأعذار ليتجنّب الحديث.
قد لا يكون التغيّر دائماً بدافع الخيانة أو قلّة المشاعر، بل أحياناً لأنّ الشاب حين يطمئن إلى حب الفتاة، يشعر أنّه لم يعُد بحاجة لبذل الجهد كما في البداية.
وكأنّ العلاقة بالنسبة إليه سباقٌ، ما إن يفوز فيه، حتى يفقد حماسه.
في المقابل، تبقى الفتاة حائرة بين الحنين إلى البدايات، وبين محاولات فهم هذا التحوّل المفاجئ.
تتساءل: كيف يمكن لمن وعدها بالاهتمام أن يتحوّل إلى شخصٍ غريب في ثوب مألوف.
إنّ الحب الحقيقي لا يُقاس بما نفعله في البدايات، بل بما نحافظ عليه بعد مرور الوقت. فالشغف الأول جميل، لكنّ الاستمرارية أصدق. والاهتمام لا يُثبت بالوعود، بل بالمواقف.
في النهاية، أدركتُ أنّ الحب لا يُقاس بما نسمعه من وعود، بل بما يبقى حين تهدأ البدايات.
فكم من شاب قال: "لن أتغيّر"، وكان أوّل من تغيّر، وكم من فتاةٍ صدّقت الكلمات فخذلها الصمت.
الحب الحقيقي لا يحتاج إلى وقتٍ كثير، بل إلى صدقٍ لا يتبدّل، وإلى قلبٍ يعرف أن الاهتمام لا يكون في البداية فقط، بل في كل مرّة يخفق فيها اسم من نحب.