24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم بين الحب والإعجاب... حين يبهت البريق دون أن ينطفئ القلب
بين الحب والإعجاب... حين يبهت البريق دون أن ينطفئ القلب
آية يوسف المسلماني
2025-10-20
بين الحب والإعجاب... حين يبهت البريق دون أن ينطفئ القلب

في فيلم يحمل عنوان One Day، قالت البطلة جملة قصيرة في كلماتها، عميقة في معناها: ‏"I love you so much, I just don’t like you anymore." أي: "أحبّك كثيراً، لكنّي لم أعد مُعجبة بك".

عبارة كهذه لا تمرّ مرور الكرام، فهي تحمل في طيّاتها مفارقة إنسانية مؤلمة، تختصر رحلة المشاعر بين بداياتها المضيئة ونهاياتها الصامتة.

كيف يمكن أن يستمر الحب بعد أن يفقد الإعجاب بريقه؟ وكيف يُمكن للقلب أن يظل وفيّاً لوجهٍ لم يعد يُحرّك فيه شيئاً؟ في بداية أي علاقة، يولد الإعجاب قبل الحب. تلك النظرة الأولى التي تدهشنا، وتلك التفاصيل الصغيرة التي تُغري القلب بالاقتراب. صوتٌ، أو ضحكة، أو طريقة كلام تجعلنا نرى في الآخر شيئاً استثنائياً. لكنّ الإعجاب لا يعيش طويلاُ. فمع مرور الوقت، تبدأ الصورة في الاتّضاح، وتزول المثالية التي زيّنا بها ملامح الآخر. نكتشف عيوبه، ونراه كما هو، لا كما أردنا أن نراه. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للحب: هل سيبقى بعد أن يبهت بريق الإعجاب؟ الحب في جوهره، ليس انفعالاً، بل شعور طويل المدى. هو ما يبقى حين تختفي الدهشة، وما يظلّ حاضراً رغم الخلاف والملل وتكرار الأيام.

لكنّ هناك لحظة دقيقة، غامضة، لا يلتقطها أحد، يتبدّل فيها هذا الشعور. لا يختفي الحب تماماً، لكنه يفقد دفأه. تبقى العاطفة، لكنّ الإعجاب يرحل. وتبقى الذكريات، لكنّ الشغف يغيب. حينها قد يجد الإنسان نفسه يقول بصدقٍ موجِع: "أحبّك كثيراً، لكنّي لم أعد مُعجبةً بك." جملة تحمل في طيّاتها وداعاً هادئاً لا يُقال بصوتٍ عالٍ، بل يُنطق من عمق القلب المُرهق. الأصعب في مثل هذه الحالة أن يتصارع القلب والعقل.

العقل يقول: إنّ العلاقة انتهت، وإنّ البقاء وهمٌ جميل. أما القلب، فيتعلّق بما تبقّى، يرفض الرحيل، ويُعيد تدوير الحنين لعلّه يجد فيه حياةً جديدة. وهنا يعيش الإنسان صراعاً صامتاً بين ما يشعر به وما يعلم أنه لم يعُد صالحاً. يشتاق إلى الماضي، لكنه لا يرغب في استعادته.

يحنّ إلى الشخص، لكنه لا يتمنّى لقاءه. يبتسم حين يراه، ولكنّ تلك الابتسامة لم تعد نابعة من الحبّ، بل من ذكرى كانت يوماً تنبض. أن تعترف بتغيّر مشاعرك ليس خيانة، بل صدق. فالبقاء في علاقةٍ مات فيها الإعجاب ظلمٌ للطرفين. لا أحد يستحق أن يكون حاضراً بجسده وغائباً بقلبه. الحب الناضج لا يعني التمسّك بالماضي، بل احترام ما كان، والإيمان بأنّ انتهاء الأشياء لا يُلغي قيمتها.

أحياناً، يكون الرحيل أصدق من البقاء، والنسيان أرحم من التكرار. في نهاية كلّ حب بهتَ بريقه، لا يبقى سوى صمتٍ يعرف كلّ شيء. صمتٌ يقول: لقد أحببتك حقاً، ولكنّي لم أعُد أراك كما كنت. ذلك الصمت ليس ضعفاً، بل نضجٌ مؤلم يعلّمنا أن المشاعر الحقيقية لا تُقاس بطولها، بل بصدقها، وأنّ الحبّ الذي يتغيّر لا يفقد قيمته، بل يتحوّل إلى تجربة تُعيد تشكيلنا من الداخل. فربّما يكون أجمل ما في الحب أنّه يترك فينا أثراً لا يزول، حتى حين لا يعود الشخص موجوداً. صدق جبران خليل جبران عندما قال: "البعضُ نُحبُّهم لكن لا نقترِب مِنهم، فهم في البُعد أحلَى، وهم في البُعد أرقَى، وهم في البُعد أغلَى".

أخبار مماثلة