سؤال يبدو عابراً، لكنّه يحمل بين حروفه معركة صامتة تدور في أعماق كل واحدٍ منّا...
كم مرّة نظرت في المرآة ولم تتعرّف إلى ملامحك؟
كم مرّة شعرت أنك تمثّل دوراً كُتب لك دون أن تدري من المؤلف؟
دوراً لا يشبهك، كأن أحدهم كتب حياتك وتركك على المسرح دون أن يخبرك من أنت في المشهد؟
ربما أنت لست الاسم الذي تحمله هويتك، ولا الملامح التي تراها في الصور، ولا الوظيفة التي تملأ بها أوراقك الرسمية.
ربما أنت شيء آخر تماماً...
صوت داخلي خافت، فكرة لم تولد بعد، أو إحساس غامض بأنّك خُلقت لشيء أكبر مما تفعله الآن.
نحن لا نولد ومعنا إجابة، بل نقضي عمرنا نحاول أن نفهم السؤال.
نحن تراكم لحظات وتجارب، أفكار تتبدّل، ومشاعر تتناوب بين النور والظل.
ربما أنت اليوم شخص، وغداً آخر. وربما بين اللحظتين، تتفتّت نسخة منك وتولد أخرى.
في عالم يسعى الجميع فيه إلى تصنيف أنفسهم: من نحن، ماذا نفعل، وإلى أي جهة ننتمي…
قد يكون الصدق الحقيقي أن تقول: لا أعلم بعد، لكنني أبحث.
لأن الهوية ليست شيئاً تُعلّقه على صدرك، بل حالة من الوعي، موقف من كل ما يدور حولك، ورحلة لا تنتهي نحو الداخل.
"من أنت؟"
سؤال لا يُجاب عليه بالكلمات، بل بالتجربة والصمت.
الصمت الذي يسبق الاكتشاف، حين تسكت ضوضاء العالم وتبقى وجهاً لوجه أمام نفسك العارية من كل تزييف.
قد تظن أنك تقترب من الجواب، لكن ما إن تلمسه حتى يتغيّر، كما يتغيّر وجهك في المرايا كلّما تغيّر الضوء.
ربما نحن مزيج من كل ما عشناه، وكل ما تكسّر فينا، وكل ما زال ينتظر أن يُولد.
فمن أنت إذاً؟
أنت لست الماضي، ولا الحاضر، ولا ما يقوله الناس عنك.
أنت الرحلة نفسها.
سؤال لا يُجاب عليه بالكلمات، بل بالوعي.
وعيٌ أنك لست شيئاً واحداً، بل احتمالات كثيرة تتغيّر كل يوم...
وربما... حين تصل إلى لحظة تعرف فيها من أنت تماماً، تكون قد توقّفت عن أن تكون.
فما دمت تسأل، فأنت ما زلت تنبض.
وما دمت تبحث، فأنت ما زلت حيّاً.