الغائبون يظنون أننا لا نراهم، كأن البعد يحجب ملامحهم عن القلب كما يحجب الليل وجه القمر.
لكنهم لا يعلمون أن للقلب عينين، إحداهما تنظر بالحنين، والأخرى بالانتظار.
نراهم في التفاصيل الصغيرة التي تركوها من بعدهم، في الطريق الذي عبرناه معاً، في رائحة المطر حين يلامس التراب، في الأغنيات القديمة التي تُباغتنا فجأة. نراهم لأنهم لم يغادروا حقاً، بل تركوا ظلّهم معلقاً بين نبضةٍ وأخرى.
لقد مرّ الشتاء كله على قلبي، أشرقت بعده الشمس، وحلّ الربيع، وتفتحت الأزهار في الطرقات، غير أن الصقيع لم يغادرني.
ما زالت داخلي أمطار لا تهدأ، ورياح تلسع الذكريات، كأن المواسم كلها ترفض أن تمنحني دفئها.
هل تعلم معنى أن يمكث البرد فيك؟
أن ترتجف شرايينك لا من شتاء الخارج، بل من غيابٍ يسكنك؟
كأنّ المطر يهطل في صدرك دون أن يجد أرضاً تمتصه، وكأن الطرقات المبللة في الخارج تُعيد صدى خطوات لم تعد تعود.
أن يلتصق الشتاء بقلبك، أن يلتصق الشقاء بأقدامك، أن تمدّ يدك بحثاً عن باب تطرقه فلا تجد سوى السراب... ذلك هو طعم الغياب.
ليس الغياب أن يبتعد أحدهم عنك، بل أن يتركك في منتصف الطريق، بين الرجاء والانطفاء، بين رجفة الطقس ورجفة الروح.
الغياب ليس نهاية، لكنه فصل طويل لا تنتهي أمطاره.
تتعلّم فيه كيف تعيش بلا دفء، وكيف تبتسم رغم ارتجافك، وكيف تُكمل الطريق وأنت تعلم أنّ بعض الخطوات لا تُنسى، وبعض الوجوه لا تغيب مهما غابت.