يخرج الموفدون الأميركيون من لبنان بانطباع واضح: لا بصيص أمل في الأفق. الحكومة اللبنانية لن تنزع السلاح، ولن تطبّق الإصلاحات التي تهدف إلى تجفيف مصادر تمويل حزب الله، ولن تمضي إلى مفاوضات مع إسرائيل. لذلك، تستعد واشنطن لمرحلة جديدة من الضغوط على لبنان تعتبرها أكثر فاعلية.
في المرحلة المقبلة، ستقدّم إدارة ترامب لإسرائيل ضوءًا أخضر للتصرف عسكريًا في لبنان، لكن لن تسمح لها بتفجير طويل الأمد، إذ قد يهدّد ذلك "استراتيجية الصفقات" التي يفضلها الرئيس الأميركي على الحروب. فتح جبهة لبنان سيعيق تحقيق اختراقات إقليمية، خصوصًا في ملفات غزة والمفاوضات مع سوريا، ويدمّر جهود إبرام الصفقات، أي أن الحرب ستكون استراتيجيًا خطأً بلا مبرر. ولذلك، تتبع واشنطن تجاه حزب الله نهجًا مدروسًا من مرحلتين أساسيتين، بهدف إخضاعه من دون إطلاق رصاصة حرب شاملة.
المرحلة الأولى، أي الخطة "أ" المعتمدة حاليًا، تتمثل في الضغط المالي والعقوبات والحصار السياسي. هذا المسار يعتبر الأفضل، ولذلك تمنح واشنطن لبنان مهلاً طويلة ومتتالية، معتمدة على قوة ناعمة صلبة، تهدف إلى خنق حزب الله اقتصاديًا وسياسيًا ضمن البيئة اللبنانية، عبر تضييق الخناق على شبكاته المالية وإضعاف نفوذه السياسي، ما يضعه في موقف تفاوضي أضعف. ويُنظر إلى هذا الضغط كبديل أكثر استدامة وتوافقًا مع استراتيجية الصفقات التي يسعى ترامب لتحقيقها.
المرحلة الثانية، أي الخطة "ب" البديلة، تعتمد على تصعيد عسكري سريع، صاعق، إذا فشلت أدوات الضغط المالي والسياسي في تحقيق الرضوخ. ستشجع واشنطن تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا قاتلًا، لكن ضمن شروط صارمة: يجب أن تكون الضربة قوية لتدفع الحزب إلى الرضوخ، لكنها محدودة زمنيًا. يجب أن تكون الحرب خاطفة لكنها شديدة القسوة وموجّهة بدقة إلى أهداف محددة، لتدمّر القدرات الرئيسية للحزب من دون استدراج قوى إقليمية حليفة أو التسبب بتدمير واسع للبنية التحتية اللبنانية، كما حدث في حرب 2006.
المثير هو أن حزب الله وإيران يدركان عدم رغبة ترامب في اندلاع حرب واسعة وطويلة، ويعلمان أن هناك قيدًا أميركيًا على إسرائيل يمنع التفجير الكبير، ما يعطي الحزب شعورًا بالحماية الجزئية لمواصلة سياسة "حافة الهاوية". لكن هذا الواقع قد يخلق وهمًا لدى الحزب بأنه يمكنه المعاندة دون عواقب، ما يفرمل استعداده لتقديم التنازلات السياسية أو التراجع تحت الضغط المالي، ويطيل أمد المهل الطويلة التي تمنحها واشنطن، ما يقلل من فعالية ضغطها على المدى القصير.
استراتيجية ترامب تضع المنطقة على حد السيف، محاوِلة الجمع بين هدفين متناقضين: الإبقاء على حد من الاستقرار الإقليمي لإنتاج الصفقات، مقابل إخضاع إيران وحلفائها بالضغط الاقتصادي والدبلوماسي والقوة النارية. وقد يخطئ حزب الله في تقدير الحد الأقصى الذي تتحمله واشنطن قبل إطلاق يد إسرائيل في حرب خاطفة وصاعقة، كما قد يخطئ نتنياهو في تقدير طبيعة الضربة، ما يؤدي إلى اندلاع حرب أطول من المسموح بها أميركيًا، ويهدد استراتيجية الصفقات.
قد ينزلق الجميع إلى حرب يعتبرها كل طرف سريعة من وجهة نظره: واشنطن جزء من أدوات الضغط التكتيكية، حزب الله يعتقد أن الحرب لن تهزّه لأنها محدودة، ونتنياهو قد يسيء تقدير الفرصة الأميركية، ما يورط الحزب ولبنان في حرب كلاسيكية طويلة أو حرب استنزاف مفتوحة، يصعب على واشنطن وقفها بسبب الذرائع الإسرائيلية المستمرة لاستمرار العمليات.
وللتذكير، حاول الأميركيون كثيرًا إيقاف الحرب التي اندلعت العام الماضي، لكنها توقفت فعليًا فقط عندما تمكن الإسرائيليون من ضمان مصالحهم الآنية والمستقبلية. وهذا يجعل الوضع اللبناني المقبل في غاية الصعوبة والتعقيد، إذ لا يبدو أي من اللاعبين مستعدًا للمراجعة أو التراجع.