سطّر الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية إنجازات بارزة في معركتهم ضد تجار المخدرات، عبر ملاحقة الشبكات التي تمدّدت لسنوات في أطراف البقاع، رغم التضحيات الكبيرة التي يُقدّمونها، وكان آخرها سقوط شهيدين وثلاثة جرحى أمس في منطقة الشراونة.
وشهدت عمليات المداهمة وتيرة متسارعة تهدف إلى تفكيك المنظومة التي راكمها تجار المخدرات، بعدما تحوّلت إلى اقتصاد موازٍ هدّد الأمن والمجتمع وعلاقات لبنان الخارجيّة، ولا سيّما الخليجية.
شهدت الفترة الأخيرة عمليات غير مسبوقة، إذ أعلن الجيش عن عشرات المداهمات، أبرزها دهم منشأة في بلدة بوداي – بعلبك في شهر أيلول الماضي، حيث ضُبطت واحدة من أكبر كميات المخدرات داخل الأراضي اللبنانية، قُدرت بنحو 64 مليون حبة كبتاغون، و79 برميلًا من المواد الكيميائيّة المعدّة للتصنيع. وفي عملية مطاردة في الشراونة – بعلبك، قُتل ثلاثة من أخطر تجار المخدرات، أحدهم معروف بلقب "أبوسلة".
تراجع في التهريب وتغيّر في المشهد
أثمرت عمليات الجيش تراجعًا ملحوظًا في تهريب المخدرات إلى الدول العربية، ولا سيّما السعودية التي عانت لسنوات من هذه الظاهرة. وقد عبّرت الرياض عن تقديرها للجهود الأمنية اللبنانية، ما انعكس بداية انفتاح اقتصادي تجاه لبنان.
خطة الجيش: استخبارات ومداهمات دقيقة
يشرح العميد المتقاعد أكرم سريوي أنّ خطة الجيش اعتمدت على جمع المعلومات، وتعقّب الشبكات، والاستفادة من اعترافات الموقوفين، إضافة إلى التحضير العالي للمداهمات داخل بيئات معقدة. كما شملت الخطة إغلاق المعابر غير الشرعية، وتشديد الرقابة على الحدود والمعابر الشرعية، إلى جانب تجهيزات تقنية متطورة حصل عليها لبنان بدعم خارجي.
تحديات كبرى: سلاح ومال وغطاء سياسي
واجه الجيش والقوى الأمنية تحديات كبيرة، أبرزها امتلاك عدد من التجار غطاءً سياسيًا، ووجود بؤر أمنيّة يصعب الدخول إليها، إضافة إلى الحدود المفتوحة سابقًا بين لبنان وسوريا. كما يستخدم التجار كاميرات مراقبة وشبكات حماية داخل الأحياء السكنية، ما يعقّد عمليات المداهمة حرصًا على سلامة المدنيين.
منذ عام 2022 حتى اليوم، قدّم الجيش أكثر من 40 شهيدًا خلال المواجهات مع تجار المخدرات والمهرّبين، فيما يزداد الدعم الشعبي لعمليات الملاحقة مع إدراك الناس حجم الخطر الذي يهدد أبناءهم ومستقبلهم.
إمبراطورية المخدرات تتهاوى
ليست هذه حربًا آنية، بل مسار مستمر لإسقاط منظومة اتسعت لعقود، مستندة إلى الفوضى والسلاح والمال. ومع كل مداهمة، يسقط حجر جديد من جدار "إمبراطورية الحشيش"، فيما تتقدّم الدولة بخطى ثابتة نحو تضييق الخناق على شبكات المخدرات وإغلاق مساحاتها المسمومة واحدة تلو الأخرى.