24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة حكاية الميرة والبحر: مرثية الكدح الصيداوي
حكاية الميرة والبحر: مرثية الكدح الصيداوي
علي خليل ترحيني
2025-11-19
حكاية الميرة والبحر: مرثية الكدح الصيداوي

 

في صيدا، لا يكاد يغيب صوت البحر عن حاراتها العتيقة المتلاصقة، حيث تروى حكاية الصياد الصيداوي، حكاية ضاربة في القدم كاسم سوقهم العتيق؛ "الميرة". هذا الاسم، الذي أُطلق على سوق السمك، هو تجسيد لعمق العلاقة الوجودية بين المدينة وزادها اليومي، فـ"الميرة" هي المؤونة والزاد، وإذ كان السمك خبز الصيداويين اليومي، فقد استحق السوق الذي يؤمّن هذه "البركة" أن يُتوّج بهذا الاسم ليصبح رمزًا للرزق الحيوي.

حياة الصياد هي رحلة فلسفية لا تهدأ بين البحر والمركب. هو الكفاح الذي يبدأ مع ساعات الفجر الغارقة في الظلمة. كانت الحكايات، على لسان "أبي علي"، شيخ الصيادين، عن زمن الوفرة الغابر، زمن كان فيه البحر "كريمًا جدًا" ومفتوح السخاء، تعود فيه الشباك بـ"اللقص" و"الوقار" بأحجام أسطورية، ولم يكونوا بحاجة لسونار أو GPS، فالعلامات الفطرية في لون الماء واتجاه الريح كانت دليلهم. أما اليوم، فالصورة معكوسة تمامًا، يصفه الجيل الشاب بـ*"البخيل" الغاضب*. لم تعد التكنولوجيا الحديثة قادرة على سد الفراغ المرير الذي أحدثه الصيد الجائر وتلوّث الثغر، إذ صار السمك نادرًا، ومخزونه يتضاءل أمام أعينهم، وأصبح القلق بشأن وقود المازوت أغلى في ثمنه من القلق على الشبكة الممزقة. يخرج الصيادون في مهام صعبة بـشباك الكيس والخيوط الطويلة، وكل حركة على المركب هي تناغم جماعي دقيق أشبه بأوركسترا الكادحين.

وما أن يعودوا فجراً إلى المرفأ لفرز بضاعتهم وبيعها في الميرة عبر المزاد العلني، حتى يتجهوا، بعد عناء، إلى مرفأ ثانٍ للحكايات والبوح: مقاهي صيدا القديمة.

ففي ساحة حي الميرة، تتكثف روح صيدا على مسطبة مقهى وليد البابا العتيق، حيث يتصاعد دخان الأراجيل ليعانق نسمات المتوسط المالحة، وتختلط أنفاس البشر بأنفاس البحر. هنا، على فنجان من الشاي وبقايا دخان أرجيلة التنباك، تبدأ القصص التي تجمع بين شقاء اليوم ومرارة الأمس، وتتجسد فيها روح التكافل الصيداوية الأصيلة. يتحدثون عن "النوّة" (العاصفة التي توقف الرزق)، وعن "الحضرة" (مصيدة السمك القديمة)، وعن "السدة" (توقف الصيد)، ويُردّدون مرثيتهم الحزينة: "يا بحرية، القوم بكّير"، وهو نشيد الشقاء الذي يُعدّون به طبق الصيادية، ليصبح رمزًا للصمود.

لم يكن صراعهم قاصراً على الرياح والأمواج الهائجة وحسب، بل امتد ليتشابك نضال البحر بنضال البرّ.  نضال تقوده نقابة صيادي صيدا، لمطالبة بالضمان الصحي والاجتماعي، وهو الحق الذي حُرِموا منه لعقود طويلة. لقد كانت صيدا على مر العصور ميناءً يمتصّ من المتوسط شمس التواصل الحضاري. وعلى أطراف المرفأ، حيث يعزف البحر مقطوعته الخالدة، لا يزال النجارون، ورثة الفينيقيين الأوائل، يمارسون حرفة صنع المراكب، يُصلحون الخشب الذي غرق في ملح السنين، لتغدو كل قطعة قارب صيد شاهدة على أن هذه المدينة لم تنقطع يوماً عن التواصل مع جاراتها عبر مياه المتوسط.

لكن الزمن الآن انحسر فيه ما كان يسمى "عسل البحر"، وارتفع فيه ثمن "زيت المراكب" إلى حدّ الإغراق. يواجه صيادو صيدا اليوم شبحًا ثلاثيًا يهدد بقاءهم: الأزمة الاقتصادية الخانقة التي رفعت أسعار الوقود بجنون، والقيود الأمنية التي تمنعهم من الإبحار بحرية، وتدهور الثروة السمكية والتهديد الأكبر وهو التلوث والصيد الجائر الذي يفتك بالقاع الصخري حيث تتكاثر أسماك اللُّقُّص والمرجان، ويترك النفايات كقيود تلتف حول الشباك الخيشومية. هنا، تكمن المرثية الجديدة: أصبحنا نعيش في زمن "مرسى الخيط الأخير".

ومع ذلك، تظل هناك بارقة أمل تلوح في الأفق: في سوق الميرة الجديد الذي تم تحديثه، وفي جهود النقابة المستمرة للدفاع عن حقوقهم، وفي محاولات دعم الصيد المستدام. إن مستقبلهم مرهون بتكاتف هذه الجهود لإنقاذ البحر من الجور، وإنقاذ الصياد من القهر. يلخص أبو علي المشهد بكلمات كالأغنية الهادئة: نحن نخرج إلى البحر خوفاً ورجاءً، لكن شيئاً واحداً لن يتغير: هذا التكافل في حاراتنا القديمة، وسنظل نردد "يا بحرية" ليس نشيداً للحزن وحسب، بل إعلان عن التزامنا الأبدي بمهنتنا وتاريخنا. يخرج الصيادون ليروا أول خيوط الفجر تنسج على وجه البحر. هذا البحر الغدار الكريم، الذي يبقى مرسى لقلوبهم ومستقبل عائلاتهم، إنه العهد الذي يحملونه معهم في كل رحلة: أن يعودوا بـالمؤونة، ولو كانت قليلة، ليُبقوا شعلة صيدا البحرية والتراثية متقدة، ليظل الصيادون، تحت هامة القلعة البحرية، سدنة هذا البحر، يحملون في شباكهم الجديدة ليس السمك وحده، بل تاريخ مدينة بأكملها.

أخبار مماثلة