24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم لا إعمار بلا مسار سياسي… ومخاوف الغزيين تتعاظم في ظل غياب الأفق
لا إعمار بلا مسار سياسي… ومخاوف الغزيين تتعاظم في ظل غياب الأفق
د. عبد الرحيم جاموس
2025-11-25
لا إعمار بلا مسار سياسي… ومخاوف الغزيين تتعاظم في ظل غياب الأفق

تابعتُ مؤخرًا ندوةً نظمها مركز الأمن القومي الفلسطيني في رام الله حول إعمار قطاع غزة، وهي ندوة عكست حجم الاهتمام المحلي والدولي بمسألة إعادة البناء بعد الدمار الشامل الذي خلّفته الحرب العدوانية الأخيرة. قدّم المشاركون قراءات متعددة لخطط الإعمار المطروحة، واستعرضوا ما تضمّنه القرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن، وناقشوا المبادرات العربية والدولية والفلسطينية، وكأنّ الحديث يجري في بيئة افتراضية تُوحي بأن الصراع قد انتهى، وأن الطريق بات ممهّدًا للعودة إلى حياة طبيعية.
غير أنّ هذه المقاربة تغفل الأسئلة الجوهرية التي لا يزال يطرحها كل فلسطيني في غزة وخارجها: من يضمن للغزيين أنّ العدوان لن يتكرر؟ من يوفّر لهم الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني قبل أن تُعاد رصف الشوارع وبناء الأبراج؟ ومن يردع إسرائيل التي اعتادت تحويل غزة إلى ساحة اختبار لأسلحتها، كلّما سنحت الذريعة أو صُنعَت عمدًا؟

إنّ تجاهل هذه الأسئلة يُظهر خللاً بنيويًا في التفكير حول مستقبل القطاع.
 فالإعمار ليس ورشة هندسية ولا مشروعًا للبنى التحتية فحسب، بل هو فعل سياسي قبل كل شيء. إذ لا يمكن لأي عملية إعمار أن تترسّخ دون ضمانات سياسية تُنهي الدائرة المغلقة التي عاشها الغزيون منذ أكثر من ثمانية عشر عامًا: حصار، توتر، جولات قتال، هدنة هشة، ثم عدوان جديد يعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.
وهنا تحديدًا تكمن المخاوف الحقيقية التي تتفاقم داخل المجتمع الغزّي.
 فالناس الذين فقدوا منازلهم وأهلهم لا يخشون نقص مواد البناء ولا تأخّر وصول المساعدات بقدر ما يخشون تكرار المأساة،  يخشون أن تستمر غزة رهينة حكم حماس وكتائب القسام بما يجرّه ذلك من مغامرات عسكرية، ومن ارتهان القرار الفلسطيني لمصالح إقليمية، وأحيانًا لمصالح إسرائيلية ذاتها، التي تستخدم وجود حماس ذريعة للعدوان، وتستخدم العدوان ذريعة لإدامة الانقسام.

إنّ غياب المسار السياسي يعني بوضوح أنّ قطاع غزة سيظلّ منطقة معلّقة بين الحرب واللاحرب، بلا سيادة، بلا ضمانات، بلا مستقبل، وسيظلّ ملايين الغزيين يعيشون تحت التهديد الدائم، عاجزين عن تخطيط أبسط تفاصيل حياتهم، من إعادة بناء منزل إلى تعليم أبنائهم أو تأمين لقمة عيش مستقرة.

لهذا نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:
لا إعمار بلا مسار سياسي حقيقي.....
لا إعمار في ظل استمرار حكم حماس ، الذي كان أحد أهم عوامل إدامة الانقسام وتوفير الذرائع لعدوان تلو آخر. 
ولا إعمار بلا إنهاء منظومة الاحتلال ذاتها، التي تُبقي غزة تحت سيف القوة، وتُخضع الضفة الغربية إلى تهويد متسارع وابتلاع يومي للأرض والحياة.

المطلوب اليوم ليس صندوقًا ماليًا إضافيًا ولا مؤتمرًا جديدًا للمانحين، بل مسار سياسي واضح يُعيد السلطة الشرعية إلى القطاع، ويوحّد النظام السياسي الفلسطيني، ويقود إلى وضع حدّ نهائي للاحتلال، ويمنح الشعب الفلسطيني الأمان السياسي قبل العمراني.

وخاتمة القول:
إنّ أي إعمار في غياب الحقوق الوطنية لن يكون سوى هدنة فوق ركام مؤجَّل.
 فالشعب الفلسطيني يملك، وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، حقه الأصيل وغير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة وعاصمتها القدس الشرقية.
 وله أيضًا الحق في العودة إلى دياره، والحق في التعويض العادل عن كل ما لحقه من دمار وخسارات مادية ومعنوية جرّاء العقود المتواصلة من الاحتلال والعدوان المستمر .

هذه الحقوق ليست ختامًا للحديث، بل هي أساس أي حديث،  ومن دون الاعتراف بها وتنفيذها، سيظل الإعمار هشًّا، وسيظل السلام معلّقًا، وسيبقى الشعب الفلسطيني متمسكًا بحقه حتى يناله كاملًا غير منقوص.

جنوبيات
أخبار مماثلة