24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم صيدا... مدينة تنهض بثقافتها وتاريخها إلى فضاء المتوسط
صيدا... مدينة تنهض بثقافتها وتاريخها إلى فضاء المتوسط
آية يوسف المسلماني
2025-11-29
صيدا... مدينة تنهض بثقافتها وتاريخها إلى فضاء المتوسط

 

تدخل صيدا اليوم مرحلة جديدة من حضورها الثقافي على ضفاف المتوسط، بعد تثبيت اختيارها عاصمة للثقافة والحوار في شرقه.

هذا الإعلان يعيد توجيه الأنظار نحو مدينة لم تغب يوماً عن المشهد التاريخي، ويراكم على حضور متجذّر في ذاكرة المنطقة، وعلى دور ساهم في صياغة ملامح حضارات عبرت هذا البحر.
فالمدينة التي نشأت على حافة المتوسط لم تعرف الانغلاق يوماً.
منذ العصور الفينيقية، كانت صيدا نقطة تفاعل بين اليابسة والبحر، ومنها خرجت مهن وصناعات شكّلت بصمتها في العالم القديم.
الصباغ الأرجواني الذي اشتهرت به، والزجاج الذي يحمل مهارة الصنّاع الفينيقيين، كانا شاهدين على قدرة المدينة على الابتكار والانتشار، وعلى انفتاحها على طرق التجارة والمعرفة.
لم تكن صيدا مجرد محطة اقتصادية، بل محطة فكرية أيضاً.
فقد ظلّت، عبر مراحل التاريخ، ملتقى للعلماء والرحّالة والتجّار الذين وجدوا في أحيائها وأسواقها بيئة تتيح تبادل الأفكار وتنوّع الخبرات، ما منحها شخصية متعددة الملامح، لا تزال آثارها حاضرة في نسيجها الاجتماعي والثقافي.
يتوازى هذا الاعتراف بصيدا مع اختيار مدينة قرطبة الإسبانية عاصمة للثقافة على الضفة الغربية للمتوسط.
بهذا الاقتران، تعود الذاكرة إلى قرطبة الأندلسية، التي عُرفت يوماً بأنها مدينة العلماء والفلاسفة والفنون، ومجالاً رحباً لتعايش ثقافات وديانات متعددة.
إن الجمع بين المدينتين اليوم يحمل رسالة رمزية لافتة، فالبحر الذي فصلته الجغرافيا، جمعته الحضارات عبر التاريخ، وكان دائماً مساحة للتلاقي وتبادل المعارف.
وبناءً على هذا الاختيار، تصبح صيدا أمام فرصة استثنائية لوضع رؤية ثقافية مستقبلية تنطلق من إرثها لكنها تتجاوز حدود الماضي إلى ما يمكن أن تقدّمه اليوم.
فالعاصمة الثقافية ليست لقباً يُرفع للاحتفال، بل إطار عمل يحتاج إلى خطط فعلية تُبرز ثراء تراث المدينة، وتشجع المبادرات الشبابية، وتفتح الباب أمام مشاريع تعليمية وإبداعية تشارك في صنع نهضة ثقافية جديدة.
إن الرسالة التي يحملها هذا الحدث تتعدّى صيدا نفسها. فهي دعوة إلى إعادة الاعتبار لقيم الحوار والانفتاح واحترام التنوّع، تلك القيم التي قامت عليها حضارات الشرق والغرب على حدّ سواء، والتي باتت ضرورة في زمن تتعاظم فيه التحديات وتتقلص فيه مساحات التفاهم.
بهذا المعنى، تبدو صيدا اليوم أمام لحظة مفصلية، لحظة تستعيد فيها جزءاً من دورها التاريخي، وتمنح في الوقت نفسه نموذجاً لمدينة قادرة على تجديد ذاتها، وعلى تحويل موقعها المتوسّطي إلى فرصة لترسيخ حضورها الثقافي على خريطة المنطقة والعالم.
إنها بداية مسار يمكن أن يجعل من المتوسط، مرة أخرى، فضاءً تُبنى فيه الجسور، لا الحواجز.

أخبار مماثلة