يكثر في لبنان اليوم الحديث عن المكننة والذكاء الاصطناعي: مؤتمرات، طاولات مستديرة، مبادرات وجوائز، وشعارات من نوع “التحوّل الرقمي”، “الحكومة الإلكترونية”، وغيرها... لكن خلف هذا الضجيج، تبقى الإدارات العامة على حالها تقريباً: معاملات ورقية، طوابير، تواقيع روتينية، وأنظمة قديمة لا تعرف معنى الأتمتة ولا الذكاء الاصطناعي.
في الشكل، يبدو المشهد واعداً: شركات تكنولوجية ناشئة، جامعات تنظّم فعاليات حول الذكاء الاصطناعي، ووزارات تتحدث عن “خارطة طريق رقمية”. لكن في العمق، لا توجد حتى الآن مشاريع كبرى قابلة للتطبيق تغيّر يوميات المواطن: لا منصة موحدة للخدمات، لا أرشفة رقمية شاملة، ولا استخدام حقيقي للبيانات في التخطيط للسياسات العامة. كل شيء يبقى في إطار التجارب الجزئية أو المبادرات الفردية، من دون أن يتحوّل إلى سياسة دولة.
العقبة ليست تقنية فقط. فلبنان يمتلك مهندسين ومبرمجين وخبرات قادرة على بناء أنظمة مكننة متطورة. المشكلة تبدأ من بنية الدولة نفسها: إدارة مترهّلة، خوف من الشفافية التي تفرضها الرقمنة، مصالح تستفيد من الفوضى الورقية، وغياب قرار سياسي واضح يقول إن زمن “المعاملات بالواسطة” انتهى. أي مشروع مكننة جدّي يعني تلقائياً ضبطاً أكبر للهدر، وتتبعاً أوضح لمسار الأموال والملفات، وهذا ما لا يناسب الجميع.
إلى جانب ذلك، تعيش البلاد مفارقة قاسية: شباب يبدعون في بناء حلول ذكية للشركات خارج لبنان أو للعمل عن بُعد مع الخارج، فيما تبقى مؤسساتهم العامة عالقة في القرن الماضي. الجامعات تُخرّج أجيالاً تتقن البرمجة وتتعامل يومياً مع أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن سوق العمل الداخلي لا يفتح أمامهم باباً حقيقياً لتطبيق هذه القدرات في خدمة الدولة والمجتمع.
لبنان لا ينقصه “خطاب رقمي” بل ينقصه قرار. قرار بأن تتحول المكننة من شعار إلى أولوية، وأن يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتبسيط حياة الناس، لا مجرد عنوان لمؤتمر جديد. المطلوب أن تبدأ الدولة من أبسط الملفات: السجل العدلي، السجل العقاري، معاملات الضمان، رخص البناء، الضرائب… ملفات إذا دخلت فعلاً في عصر المكننة، ستختصر وقتاً ومالاً وفساداً، وستثبت أن اللبناني قادر على إنجاز تحول رقمي حقيقي حين تتوفر الإرادة.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى لبنان يعيش في فجوة غريبة: بلد يصدّر الكفاءات الرقمية إلى العالم، لكنه يعجز عن بناء منصة إلكترونية موثوقة لمواطنيه. وبين الشعار والتطبيق، تضيع فرصة أن يتحول الذكاء الاصطناعي من “ضيف مؤتمرات” إلى شريك فعلي في إعادة بناء الدولة.