24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الاقتصاد يحكم السياسة
الاقتصاد يحكم السياسة
آية يوسف المسلماني
2025-12-18
الاقتصاد يحكم السياسة

 

لم تعد السياسة في عالم اليوم تُفهم بمعزل عن الاقتصاد، بل بات الأخير يشكّل الإطار الخفي الذي تتحرّك داخله القرارات السياسيّة، محليّاً ودوليّاً. فخلف الشعارات الكبرى والخطابات الأيديولوجيّة، تقف المصالح الاقتصاديّة بوصفها المحرّك الأكثر ثباتاً وتأثيراً في رسم السياسات وتحديد الأولويّات.

تاريخيّاً ارتبطت السلطة السياسيّة بالقدرة على التحكّم بالموارد.
ومع تطوّر الدولة الحديثة وتعقّد العلاقات الدوليّة، لم يعد هذا التحكّم مباشراً فحسب، بل اتّخذ أشكالاً أكثر نعومةً وعمقاً، مثل السياسات الماليّة، والاتفاقيّات التجاريّة، والعقوبات الاقتصاديّة، والتحكّم بأسواق الطاقة والغذاء.
هنا، لم يعد الاقتصاد مجرّد أداة في يد السياسة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى مرجعيّة تُقاس على أساسها القرارات السياسيّة نفسها.
في الداخل يفرض الواقع الاقتصادي إيقاعه على الأداء السياسي. فمعدّلات النمو، ونِسَب البطالة، والتضخّم، ومستوى الخدمات، جميعها عوامل تؤثّر مباشرة في شرعيّة السلطة وثقة المواطنين بها. وغالباً ما تجد الحكومات نفسها مضطرّة إلى تعديل سياساتها أو خطابها السياسي استجابة لضغوط اقتصاديّة، سواء كانت داخليّة كالأزمات الماليّة، أو خارجيّة كالتغيّرات في الأسواق العالميّة.
أمّا على المستوى الدولي، فتتجلّى هيمنة الاقتصاد بوضوحٍ أكبر.
فالعلاقات بين الدول لا تُبنى فقط على التحالفات السياسيّة أو التقارب الثقافي، بل على المصالح الاقتصاديّة المتبادلة. وتُستخدم الأدوات الاقتصاديّة من استثمارات وقروض ومساعدات، إلى عقوبات وحصار كوسائل ضغط سياسي فعّالة، قد تفوق في تأثيرها استخدام القوّة العسكريّة المباشرة.
في هذا السياق، تصبح السياسة أحياناً لغة تفاوضيّة تُغلّف صراعاً اقتصاديّاً أعمق.
مع ذلك، لا يمكن اختزال السياسة بالكامل في بعدها الاقتصادي. فالعوامل الاجتماعيّة، والثقافيّة، والقيميّة، تلعب دوراً لا يُستهان به في تشكيل القرار السياسي، لا سيّما في المجتمعات التي تشهد حراكاً شعبيّاً أو تحوّلات فكريّة. غير أنّ هذه العوامل نفسها غالباً ما تتقاطع مع الواقع الاقتصادي، إذ يصعب فصل المطالب الاجتماعيّة عن جذورها المعيشيّة.
إنّ القول إنّ "الاقتصاد يحكم السياسة" لا يعني إلغاء السياسة أو تقليل شأنها، بل الإقرار بواقع تشابكي أصبحت فيه الحدود بين المجالين أقل وضوحاً. فالسياسة لم تعد ساحة للصراع الفكري فقط، بل مجالاً لإدارة المصالح، فيما لم يعد الاقتصاد علم أرقام فقط، بل أداة قوّة وتأثير.
يبدو أنّ فهم السياسة المعاصرة يقتضي قراءة عميقة في خلفيّاتها الاقتصاديّة، دون الوقوع في التبسيط أو التعميم.
فالعلاقة بين الاقتصاد والسياسة ليست علاقة تبعيّة مطلقة، بل تفاعل مستمر تتغيّر موازينه بحسب السياق، والأزمات، وقدرة الفاعلين على توجيه هذا التداخل لمصلحة الاستقرار أو التغيير.

أخبار مماثلة