يبدو أن ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية ذاهب إلى مزيد من التعقيد، وسط غياب أي حلول أو طروحات جدية لحلحلة الأزمة، والتهميش الذي فرضه الطرح الأخير للتفرغ على الكثير من المكونات الوطنية.
إن ملف تفريغ أساتذة الجامعة اللبنانية المتعاقدين بالساعة يجب أن يكون عادلًا ومراعيًا لكافة التوازنات الوطنية ولصيغة العيش المشترك، لا سيما أن هذا الملف يتعلق بالجامعة اللبنانية، أي جامعة الوطن، فهي ليست حكرًا على طرف سياسي معيّن، ولا على طائفة أو مذهب واحد ومحدّد.
التفرغ في جامعة الوطن يشبه التطوّع في الأسلاك العسكرية، فالجامعة تقدم خدماتها للطلاب من أجل إنشاء جيل يسعى إلى بناء وطن للجميع، كما أن العسكر يحمون وطنهم الواحد الضامن لكافة المكونات، لا وطن طائفة أو حزب. لذلك نشهد التوازن والمناصفة في الأسلاك العسكرية، والأمر نفسه يجب أن ينطبق على ملف التفرغ، من خلال تحقيق توازن مذهبي وطائفي يحول دون إلغاء أو تهميش أي مكوّن، وبالتالي منع ضرب الشراكة الوطنية. وعملية التفرغ، بطبيعة الحال، يجب أن تكون ضمن معايير أكاديمية قائمة على الكفاءة والجدارة. لذا، فإن إقرار الملف يجب أن يسبقه إعداد دراسة شاملة تراعي كل ما سبق، إلى جانب الحاجة الفعلية لعدد الأساتذة في الجامعة.
فبحسب مقترح رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور بسام بدران ووزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، تم اختيار 1282 مرشحًا للتفرغ. وقد أظهر التوزيع الطائفي لهؤلاء المرشحين خللًا فاضحًا في التوازن الوطني، إذ بلغ عدد المسلمين 899 بنسبة 70.1%، في مقابل 377 مسيحيًا بنسبة 29.4%، إضافة إلى 6 مرشحين غير محددي الطائفة بنسبة 0.5%. وعلى مستوى الانتماء الطائفي التفصيلي للمسلمين، توزّع المرشحون على الشكل الآتي: 513 شيعيًا بنسبة 40%، و331 سنيًا بنسبة 25.8%، و54 درزيًا بنسبة 4.2%، ومرشح علوي واحد بنسبة 0.1%، إضافة إلى 6 مرشحين غير محددي الطائفة بنسبة 0.5%.
وفي ما يتعلق بالشروط التي وُضعت أو التي حددت طبيعة المرشح، فكان أبرزها أن يكون الأستاذ قد أمضى سنتين على الأقل في التعاقد مع نصاب كامل سنويًا، وذلك خلال العامين الجامعيين 2023/2024 و2024/2025. وقد حُدِّد النصاب السنوي بـ200 ساعة لغير الموظفين، و125 ساعة للأساتذة الثانويين، و160 ساعة لسائر الموظفين.
ومن الناحية المالية، بلغت الكلفة الإجمالية للأستاذ الواحد 35,913 دولارًا، فيما تصل الكلفة بعد حسم ساعات التعاقد إلى 29,768 دولارًا. وبلغ إجمالي الكلفة المالية للملف كاملًا نحو 38,200,000 دولار.
ويُسجَّل أن متوسط ساعات التدريس السنوية للأستاذ المتعاقد يبلغ 250 ساعة، على أن يتم توزيع عملية التفرغ على ثلاث سنوات. ففي السنة الأولى 2026، يُفرَّغ 427 أستاذًا من غير الموظفين بكلفة تقارب 12,700,000 دولار. وفي السنة الثانية 2027، يُفرَّغ 427 أستاذًا إضافيًا من غير الموظفين بالكلفة نفسها. أما في السنة الثالثة 2028، فيُفرَّغ 428 أستاذًا، يتوزعون بين 263 مرشحًا غير موظف و165 مرشحًا موظفًا، وبكلفة إجمالية تبلغ 12,700,000 دولار.
وهنا، تُظهر هذه النتيجة ضرب التوازن بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين السنّة والشيعة، وكأن في ذلك تهميشًا للطوائف الأخرى على حساب طائفة واحدة، مع التنويه إلى أن جميع ملفات التفرغ السابقة كان التوازن الوطني فيها محترمًا، بين المسلمين والمسيحيين من جهة، وبين الطوائف من سنّة وشيعة من جهة أخرى. وعلى سبيل المثال، ملف تفرغ سنة 2014، الذي بلغ عدد المتفرغين فيه 1213، كانت نسبة المسيحيين منه 47%، والمسلمين 53%، إضافة إلى أن نسبة الشيعة كانت 23.66%، والسنّة 24.06%. وهذا كان آخر ملف تفرغ، وكان التوازن فيه محترمًا وقائمًا.
فالمطلوب هو العدل والإنصاف وعدم تقديم حقوق أي طائفة على أخرى. فالسنّة، على سبيل المثال، من المعيب تهميشهم أو إقصاؤهم بهذا الأسلوب، وهم الطائفة الأكبر في البلد. كما يجب أيضًا مراجعة بعض نقاط شروط القبول وإعادة النظر فيها، والتأكد من أن العدد يتوافق مع احتياجات الجامعة، فضلًا عن الأكلاف الإجمالية والقدرة على موازنتها، كي لا تتطوّر في النهاية إلى أزمة مالية تضرب الجامعة ككل. لذلك، يجب إجراء دراسة شاملة وفق المعايير والكفاءة والحاجة الفعلية، من دون تضخيم أعداد المتفرغين.
فعلى سبيل المثال، عام 2014 كان عدد طلاب الجامعة اللبنانية 85 ألفًا، أما اليوم فيقارب 63 ألفًا، أي أن عدد الطلاب تناقص بحدود 22 ألفًا. وعام 2014، كان عدد الأساتذة الذين تم تفريغهم 1213 أستاذًا، وكان العدد مضخّمًا، وهو ما يطرح سؤالًا حول العدد الذي تم الإعلان عنه للتفرغ، وما إذا كان مضخّمًا أيضًا، كون عدد طلاب الجامعة تراجع بأكثر من 20 ألفًا منذ آخر ملف تفرغ.