25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "القناعة والرضا في ميزان الحياة"!
"القناعة والرضا في ميزان الحياة"!
القاضي م جمال الحلو
2025-12-22
"القناعة والرضا في ميزان الحياة"!

رحم الله والدي، وجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنة، فقد كان يردّد على مسمعي مقولةً تختصر كثيرًا من حكمة الحياة:
«من قنع من الدنيا باليسير، هان عليه كلُّ عسير».

القناعة والرضا ميزانان دقيقان تُوزَن بهما النفوس قبل أن تُوزَن بهما الأقدار؛ فهما من القيم الإنسانيّة التي تريح القلوب، وتُخفّف من وطأة الهموم، وترسم البسمة على شفاه كلّ مظلوم. فالقناعة كنزٌ لا يفنى، تجعل الإنسان أكثر تصالحًا مع ذاته، وأكثر قدرةً على الابتسام للحياة ولِما فيها، دون تكلّف أو شكوى.

والقناعة والرضا حالتان نفسيّتان مترابطتان، تعبّران عن الاكتفاء بما قسمه الله. فالرضا هو القبول بما هو متاح دون طمعٍ أو تذمّر، وهو ما يفضي إلى السكينة والراحة، ويتجلّى في شكر النِّعم مهما قلّت. ومع ذلك، ثمّة فرقٌ دقيق بينهما؛ إذ يُعدّ الرضا أعمق وأشمل، لما يحمله من طمأنينةٍ داخليّةٍ بالقدر، بينما تركّز القناعة أكثر على الجانب المادّي والاكتفاء به دون يأس. وكلاهما يشكّل مفتاحًا لحياةٍ طيّبة وعزّة نفس، ويتحقّقان باليقين بالله، والعمل الصالح، ومداومة الامتنان.

والقناعة والرضا، ولو باليسير، يبعثان في الروح أملًا بغدٍ أفضل، ويُبعدان القلق من المستقبل، ويجعلان الإنسان متفائلًا، محبًّا للعطاء. فالأمل دواء، والقلق عناء، والتفاؤل رجاء، والمحبّة عطاء؛ وهي معانٍ لا تستقيم الحياة بدونها، ولا يصفو القلب في غيابها.

ومن شروط تحقّق القناعة والرضا أن يستوي لدى الإنسان المنع والعطاء، فلا يكسِره الحرمان، ولا تُغريه الوفرة. ومن هذا المنطلق، يصبح التعايش مع الواقع بوعيٍ وتوازن ضرورةً لا خيارًا، لفهم الحياة على حقيقتها، ومواجهة تحدّياتها وصعابها بثباتٍ ورجاء، وولوج باب الفرج بإذن الله. فالقناعة خيرٌ من الضراعة، والتقلّل خيرٌ من التذلّل، والفرار خيرٌ من الحصار؛ لأنّ الإنسان القانع الراضي بقدره لا يعرف الخراب ولا اليباب. ومن لا يرضى بالقليل، لا يرضى أبدًا.

إنّ هذا التوجّه في مسار حياتنا اليوميّة، والبحث الهادئ عن الأمل نحو الأفضل بيسرٍ وسهولة، دون عسرٍ أو انكسار، يصنع إنسانًا عاقلًا حكيمًا، ويدفعه إلى التسليم بحقيقةٍ راسخة مفادها:
«وبرزقِ الله فاقنع، إنّ في الحرصِ مذلّة».

وعليه، تبقى القاعدة الثابتة التي لا تتبدّل:
«من قنع من الدنيا باليسير، هان عليه كلّ عسير»؛
فحين يظنّ الإنسان أنّ كلّ الأبواب قد أُغلقت، يخلق الله له مخرجًا، ويفتح له دربًا جديدًا ليبدأ من حيث لا يحتسب.

ونختم بالقول:
«القناعة هي الاكتفاء بالموجود، وترك الشوق إلى المفقود».

جنوبيات
أخبار مماثلة