رحم الله جدّي الحاج محمد قدّور الحلو، وهو الشّاعر والأديب، فقد كان يردّد على مسامعنا هذه المقولة الرّائعة:
«الزَّرْعُ نَوْعانِ: زَرْعُ الشَّجَرِ، وَزَرْعُ الأَثَر».
مِن فُنونِ الأَدَبِ حُسْنُ اختيارِ اللَّفْظِ المُناسِبِ، حتّى قالوا: «لِكُلِّ مَقامٍ مَقال».
فيُقالُ لِلمريضِ: مُعافًى، ولِلأعمى: بَصير، ولِلأعورِ: كريمُ العَيْن.
وقد رأى هارونُ الرَّشيدُ ذاتَ مرّةٍ في بيتِه حُزمةً مِن الخَيْزران، فسأل وزيرَه الفضلَ بنَ الرَّبيع: ما هذه؟
فأجابه الوزيرُ: عُروقُ الرِّماح يا أميرَ المؤمنين.
أتدرون لماذا لم يقل: إنّها خَيْزران؟
لأنّ والدةَ هارونَ الرشيد كان اسمُها الخَيْزران.
فالوزيرُ كان يَعرِفُ مَن يُخاطِب، ويُدرِكُ أنَّ للكلمةِ مقامًا، وللمقامِ أدبًا.
ولِكَي يَرتاحَ بالكَ ويطمئنَّ قلبُكَ، لا بُدَّ مِن إعمالِ التَّوازنِ بين العقلِ الفاعلِ والعقلِ المُنفعِل، وبين القلبِ الدالِّ والقلبِ المُشارِ إليه.
فعندما نفقدُ الأملَ، نفقدُ الرغبةَ،
وعندما نفقدُ الرغبةَ، نفقدُ الرؤيةَ،
وحينَ نفقدُ الرؤيةَ، نفقدُ الحياةَ،
فنعيشُ تائهينَ في سَرابِ من الأمل.
الكلمةُ الطيِّبةُ بَذْرَةُ خيرٍ،
زُرِعَت في تُربةِ اليقين،
وسُقِيَت بماءِ الأملِ والتفاؤل،
فأنبتت عملًا صالحًا.
ومن هذا المُنطَلَقِ نقول:
«الزَّرْعُ نَوْعانِ: زَرْعُ الشَّجَرِ وزَرْعُ الأَثَر؛
فإن زرعتَ الشَّجَرَ ربحتَ الظِّلَّ والثَّمَر،
وإن زرعتَ طيِّبَ الأثَرِ حصدتَ محبّةَ الله، ثمَّ البشر».
طِبتُم بطيبِ الذِّكرِ والأثَر.
ومن رَحِمِ الأحزانِ في وطنِنا لبنان، نأملُ أن ينكبَّ القيِّمونَ على مسارِ البلد، بجهدِهم وعقولِهم وقلوبِهم، على اختيارِ ما هو أفضلُ لمصلحةِ الشَّعبِ المسكين، الذي بلغَ في معاناتِه الدَّرْكَ الأسفلَ من الفقرِ المُدقِع…
فهل مِن مُستمع؟