تتابع اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، باستهجانٍ بالغ وإدانةٍ شديدة، ما ورد في التصريحات والمنشورات الصادرة عن رئيس وزراء حكومة الاحتلال، والتي تضمّنت ادعاءات مضلِّلة للحقائق، في محاولةٍ مكشوفة لتزييف الواقع، وتبييض سجلّ الاحتلال الحافل بالانتهاكات الجسيمة والمنهجية بحق الشعب الفلسطيني، وبصورة خاصة بحق المسيحيين الفلسطينيين ومقدساتهم.
إنّ ما تحاول حكومة الاحتلال تسويقه عن "حرية العبادة" و"ازدهار الحياة المسيحية" لا يمثُّل سوى خطابٍ دعائي زائف، يتناقض كليّاً مع الوقائع الميدانية الموثّقة، ومع شهادات الكنائس ورجال الدين، ومع تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية. فالمسيحيون الفلسطينيون، شأنهم شأن سائر أبناء شعبنا، يرزحون يوميّاً تحت سياسات قمعية ممنهجة، تشمل تقييد حرية العبادة والتنقّل عبر نظام تصاريح تعسفي يحرمهم من الوصول إلى القدس وكنائسها، ولا سيّما في مواسم الأعياد، إلى جانب قمع الشعائر والمواكب الدينية ومنع المسيرات بالقوة، كما جرى في مدينة الناصرة، والاعتداء بالضرب على المحتفلين المسيحيين في البلدة القديمة في القدس، في مشاهد موثّقة تعكس سياسة الترهيب الممنهج لا حوادث فردية.
وتشهد مدينة القدس المحتلة، بوصفها مركز هذه السياسات، تصاعداً خطيراً في الاعتداءات المنظّمة التي ينفذها المستوطنون بحق رجال الدين المسيحيين، وتشمل البصق المتكرر، والتهديد، والاعتداء الجسدي، وتدنيس الرموز الدينية، وذلك تحت حماية قوات الاحتلال وفي ظل إفلاتٍ شبه كامل من العقاب. كما تتواصل الاعتقالات والاستدعاءات التعسفية بحق رجال الدين والنشطاء المسيحيين، في محاولةٍ واضحة لإسكات الأصوات الكنسية الوطنية، بالتوازي مع تدنيس المقابر المسيحية، لا سيّما في القدس، في انتهاكٍ فجّ لحرمة الموتى ولقيم الإنسانية جمعاء.
وتستمر سلطات الاحتلال في انتهاك الحقوق المدنية الأساسية للمسيحيين الفلسطينيين عبر حرمانهم من لمّ الشمل والإقامة بموجب ما يُعرف بقانون المواطنة، إلى جانب التمييز القانوني والمؤسساتي داخل "إسرائيل" نفسها ضد المسيحيين العرب، فضلاً عن حملات التحريض والاستهداف الإعلامي الممنهج ضد الكنائس ورجال الدين، بما يساهم في تأجيج الكراهية وتبرير الاعتداءات.
وفي هذا السياق، تبرز جريمة هدم كنيسة القديسة بربارة ورفض سلطات الاحتلال حتى اليوم إعادة بنائها، إلى جانب ما يجري في خلة سمعان ومنطقة المخرور في بيت جالا من مصادرةٍ للأراضي، وما تتعرض له مناطق بيت ساحور وبيت لحم وبيت جالا من سياسات خنقٍ جغرافي واقتصادي ممنهج. كما تتواصل الاعتداءات الخطيرة في بلدة الطيبة، بما في ذلك إحراق ممتلكات المواطنين المسيحيين أكثر من مرة، في اعتداءاتٍ مباشرة على أمنهم ووجودهم. كما لا يمكن غض النظر عن استهداف الاحتلال للكنائس في غزة والذي كان أثره كبير من ضحايا مسيحيين لاجئين داخل تلك الكنائس خلال حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل على قطاع غزة.
وتضيف اللجنة أنّ فرض الضرائب الجائرة والضغوط الاقتصادية على الكنائس وممتلكاتها يشكّل خرقاً سافراً للوضع القائم والاتفاقيات الدولية، ويترافق مع تمييزٍ ممنهج في التعليم والخدمات، لا سيّما بحق المدارس المسيحية في المدن العربية الفلسطينية، في إطار سياسة قمع وتضييق ومصادرة وتمييز تمارسها سلطة الاحتلال بشكل منظّم.
وتؤكد اللجنة أنّ التراجع المؤلم في أعداد المسيحيين الفلسطينيين، ولا سيّما في بيت لحم، ليس نتيجة ظروف إقليمية عامة كما يُدّعى، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال من مصادرةٍ للأراضي، وهدمٍ للمنازل، وخنقٍ اقتصادي، وحرمانٍ من الحقوق الأساسية، بما يدفع أبناء شعبنا، مسيحيين ومسلمين، إلى الهجرة القسرية، في سياقٍ واضح لتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين.
وترفض اللجنة الرئاسية بشكل قاطع استخدام الأعياد والمناسبات الدينية، وعلى رأسها عيد الميلاد المجيد، كمنصّة دعائية لتبرير الاحتلال وجرائمه، وتشدّد على أنّه لا وجود لحرية دينية حقيقية تحت الاحتلال، وأنّ الميلاد في فلسطين سيبقى رسالة حقٍّ وعدالة وسلام، لا تنفصل عن معاناة شعبنا، ولا عن حقه المشروع في الحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال.
وتدعو اللجنة الكنائس والمؤسسات الكنسية حول العالم، والقادة الدينيين، والمؤسسات الحقوقية، وأصحاب الضمائر الحيّة، إلى عدم الانجرار وراء هذه الروايات المضلِّلة، والاستماع إلى صوت الكنائس المحلية في فلسطين، وتحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية في حماية الوجود المسيحي الفلسطيني، وصون المقدسات، ومساءلة سلطات الاحتلال عن انتهاكاتها المتواصلة.
إنّ الحقيقة لا يمكن طمسها بالتصريحات، والعدالة لا تتحقق بالخطابات، بل بإنهاء الاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وضمان حماية المقدسات، وصون الوجود المسيحي الأصيل في فلسطين.
وتؤكد اللجنة الرئاسية العليا أنّ استمرار إسرائيل في توظيف المسيحيين الفلسطينيين كذريعة أمام المجتمع الدولي، ومحاولة تقديم نفسها زوراً كـ“حامية للأقليات الدينية”، باتت سياسة مفضوحة.