24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الإعلام بين حرية التعبير وفوضى المحتوى: القضية الفلسطينية في عصر السوشال ميديا
الإعلام بين حرية التعبير وفوضى المحتوى: القضية الفلسطينية في عصر السوشال ميديا
د. عبد الرحيم جاموس
2025-12-28
الإعلام بين حرية التعبير وفوضى المحتوى: القضية الفلسطينية في عصر السوشال ميديا

 

أعادت الثورة الرقمية، وما رافقها من انفجار منصات التواصل الاجتماعي، تعريف مفاهيم الإعلام وحرية التعبير، ليس فقط من حيث توسيع دائرة المشاركة، بل من حيث تفكيك الضوابط المهنية والأخلاقية والقانونية التي كانت تحكم العمل الإعلامي التقليدي. وفي القضايا المركّبة والعادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لا يبدو هذا التحول محايدًا، بل بالغ الخطورة في آثاره السياسية والقانونية والمعرفية.
من حيث المبدأ، تُعدّ حرية التعبير حقًا أصيلًا كفلته الشرائع الدولية، وفي مقدمتها المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
 غير أن هذا الحق ليس مطلقًا، بل مقيد بعدم الإضرار بحقوق الآخرين، وعدم التحريض، وعدم نشر المعلومات المضللة، خاصة في سياقات النزاعات المسلحة وقضايا التحرر الوطني.
 وعليه، فإن الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين حرية التعبير وفوضى المحتوى يشكّل انحرافًا خطيرًا عن جوهر هذا الحق.
في السياق الفلسطيني، تتضاعف الإشكالية. فالقضية ليست مجرد موضوع رأي عام، بل قضية احتلال عسكري، وجرائم حرب موثقة، وحقوق غير قابلة للتصرف وفق القانون الدولي. 
وعندما تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة لنشر معلومات غير دقيقة، أو سرديات مجتزأة، أو اتهامات تخوينية بلا أساس قانوني أو سياسي، فإن ذلك لا يضر فقط بالنقاش الداخلي، بل يُضعف المرافعة الفلسطينية أمام الرأي العام الدولي والمحافل القانونية.
لقد مكّنت السوشال ميديا الفلسطينيين من كسر احتكار الرواية الإسرائيلية، وتوثيق جرائم الاحتلال بالصوت والصورة، وهو إنجاز لا يمكن إنكاره. غير أن الوجه الآخر لهذا الواقع يتمثل في غياب الحد الأدنى من الضبط المعرفي والمنهجي للمحتوى، حيث بات كل مستخدم “فاعلًا إعلاميًا” دون تأهيل قانوني أو سياسي أو أخلاقي. 
ونتيجة لذلك، انتشرت خطابات التبسيط المخل، والشخصنة، وتقديس الأفراد أو شيطنتهم، واختزال القضية الفلسطينية في فصيل أو شخص أو حدث معزول عن سياقه التاريخي والقانوني.
من منظور أكاديمي، يُعد هذا النمط من الإعلام الفوضوي أحد أشكال “العنف الرمزي”، لأنه يُنتج وعيًا مشوشًا، ويعيد تشكيل الإدراك الجمعي بعيدًا عن الوقائع الموثقة والتحليل الرصين. 
أما من منظور قانوني، فهو يوفّر بيئة خصبة لتشويه السردية الفلسطينية، وإضعاف توصيف جرائم الاحتلال بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، عبر خلطها بخطابات غير منضبطة أو متطرفة يسهل توظيفها دعائيًا ضد الشعب الفلسطيني.
ولا يمكن فصل هذه الفوضى عن استثمار الاحتلال الإسرائيلي المنهجي في الفضاء الرقمي، من خلال جيوش إلكترونية، وحملات تضليل، ومنصات ناطقة بالعربية، تستفيد من الانقسامات الداخلية ومن المحتوى الانفعالي وغير المدقق.
 فحين يغيب الإعلام المسؤول، يصبح الاحتلال هو المستفيد الأول، ليس فقط عسكريًا، بل سرديًا وقانونيًا.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود آراء متعددة، بل في غياب المعايير.
 فالإعلام الحر لا يعني إعلامًا بلا مسؤولية، كما أن النقد السياسي المشروع لا يعني التشهير أو التحريض أو تقويض الثوابت الوطنية. 
المطلوب هو إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية الإعلامية، بوصفها التزامًا وطنيًا وأخلاقيًا وقانونيًا، يقوم على التحقق، والتحليل، واحترام تعقيد القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني تخضع لقواعد القانون الدولي، لا لمنطق “الترند” والتفاعل السريع.
خاتمة القول: 
في عصر السوشال ميديا، لم تعد حرية التعبير إنجازًا بحد ذاتها، بل أصبحت اختبارًا للوعي والمسؤولية. فإما أن يكون الإعلام الرقمي أداة لتعزيز السردية الفلسطينية قانونيًا وأخلاقيًا، أو يتحول، بفعل الفوضى، إلى عامل إضعاف ذاتي يخدم مشروع الاحتلال. 
وبين هذين الخيارين، تقع مسؤولية المثقف، والإعلامي، والمستخدم العادي، في الدفاع عن الحقيقة لا عن الانفعال، وعن القضية لا عن الفوضى.

د. عبدالرحيم جاموس  
الرياض  
28/12/2025  م

أخبار مماثلة