24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم حين تأتي العلاقات بلا موعد
حين تأتي العلاقات بلا موعد
آية يوسف المسلماني
2026-01-04
حين تأتي العلاقات بلا موعد

ليست كل العلاقات نتيجة بحثٍ أو قرار.
بعضها يأتي من خارج الحسابات، من منطقةٍ لا تخضع للمنطق ولا للتخطيط.
علاقات تظهر فجأة، كما لو أنّها كانت مؤجَّلة في الزمن، تنتظر لحظة محدّدة لتدخل حياتنا دون استئذان.
الغريب في هذا النوع من العلاقات أنّه لا يبدأ بسؤال: ماذا نريد؟
بل بدهشة صامتة: كيف حدث هذا؟
لقاء عابر، حديث غير متوقّع، انسجام لحظي لا يحمل وعداً ولا مشروعاً، لكنه يترك أثراً لا يمكن تجاهله.
ومن هذا الأثر يتشكّل الإعجاب، لا بوصفه رغبة، بل بوصفه اعترافاً داخلياً بأنّ هناك شيئاً ما تحرّك في الداخل.
تتقدّم العلاقة خطوة أخرى، فتتحوّل إلى صداقة خفيفة، بلا ادّعاء العمق، وبلا محاولة تعريف.
صداقة تنمو على مهل، وتستمد قوّتها من بساطتها.
لا تُثقِلها التوقّعات، ولا تُرهقها الأسئلة، بل تقوم على حضور إنساني صافٍ، وعلى شعور بالراحة لا يحتاج إلى تبرير.
وفي هذا المسار، تقع أحداث لم تكن في الحسبان. لحظات صغيرة، غير مخطّط لها، تحمل في طيّاتها معنى أكبر من حجمها.
كلمة قيلت في توقيت غير متوقّع، موقف بسيط كشف تشابهاً خفياً، أو صمت مشترك كان أبلغ من أي حديث. تفاصيل تولد فجأة، وتُحدث أثراً عميقاً، وكأنّها كانت مكتوبة سلفاً.
يقال إنّ الصدفة هي الاسم الذي نطلقه على ما لا نفهمه من ترتيب الأشياء.
وربما لهذا تبدو هذه العلاقات وكأنّها نتاج قدرٍ يعرف أكثر ممّا نعرف. 
ليس قدراً صاخباً، ولا درامياً، بل قدراً هادئاً، ينسج خيوطه بصبر، ويترك لنا وهم العفوية.
ومع هذه التفاصيل، يظهر شعور بالفرح، وربما بالسعادة المؤقّتة.
لا لأنّ العلاقة وعدت بشيءٍ أكبر، بل لأنّها أعادت إلى القلب إحساسه بالحياة.
إحساس بأنّ المشاعر لا تزال قادرة على الظهور، دون أن تطلب إذناً، ودون أن تفرض ثمناً.
وقد يصف البعض ما يحدث في هذه اللحظات بأنّه "نوع من الجنون".
ليس الجنون الذي يهدم، بل ذاك الذي يربك الترتيب الداخلي قليلاً، ثم يتركه أكثر صدقاً.
جنون خفيف، لا يتعدّى كونه خروجاً مؤقّتاً عن المسار المرسوم، يذكّر الإنسان بأنّه ليس آلة تسير وفق جدولٍ ثابت.
غير أنّ الوعي الحقيقي لا يكمن في منع هذه العلاقات من الحدوث، بل في فهم طبيعتها.
فليست كل علاقةٍ وُلدت فجأة خُلقت لتستمر، ولا كل شعور بدأ بلا تخطيط مطالب بأن يتطوّر.
بعض العلاقات وُجدت لتكون لحظة إدراك، لا مسار حياة.
هنا تحديداً يظهر معنى النضج.
أن نعرف متى نعيش الشعور، ومتى نضع له حدّه الطبيعي.
أن نُدرك أنّ الجمال أحياناً يكمن في العبور، لا في البقاء.
وأنّ ما يمنحه القدر لا يكون دائماً دعوة للاستمرار، بل أحياناً مجرّد تذكير.
قال أحد الفلاسفة إنّ الإنسان لا يختار دائماً ما يشعر به، لكنه يختار ما يفعل بهذا الشعور.
وفي هذا الاختيار تتجلّى إنسانيّتنا.
أن نترك للعلاقات الفجائية حقّها في الوجود، دون أن نُحمّلها أكثر ممّا تحتمل، ودون أن نُفرغها من معناها بمحاولة تحويلها إلى شيءٍ آخر.
العلاقات التي تأتي بلا موعد لا تغيّر خرائط الحياة بالضرورة، لكنها تترك علاماتٍ صغيرة على الطريق. علامات تقول إنّ القدر قد يمرّ بنا في هيئة شخص، أو لحظة، أو حديث عابر، ثم يواصل طريقه، تاركاً لنا مهمّة الفهم.
وربما هذا هو دورها الحقيقي. أن تذكّرنا بأنّ الحياة ليست فقط ما نخطّط له، بل أيضاً ما يحدث لنا رغماً عنّا…
بجمالٍ لا يمكن إنكاره.

جنوبيات
أخبار مماثلة