ليست فيروزُ مجرّدَ صوتٍ عابرٍ في الذاكرة، ولا أغنيةً تُطرِّز صباحاتِنا بالحنين، بل هي أمٌّ عظيمةٌ اصطفاها اللهُ بمسيرةٍ مثقلةٍ بالابتلاء، فحملتها بقلبٍ مؤمنٍ، ومضت بها بصبرِ القدّيسات. وهبها اللهُ صوتًا سماويًّا، فكانت سفيرةَ الروحِ إلى النجوم، غير أنّ القدرَ شاء أن يمتحن قلبَها بما لا يطيقه إلا من سكن الإيمانُ أعماقه.
ترمّلت باكرًا، حين غاب رفيقُ دربها وشريكُ حلمها الموسيقارُ عاصي الرحباني، ذلك العقلُ الخلّاق الذي أسّس معها مدرسةً فنيّةً صارت وطنًا من نغم. لم تنكسر، بل تماسكت، وواصلت الغناء كأنّ صوتَها صلاة، وكأنّ الألمَ تحوّل نغمًا يُسكِّن وجعَ الآخرين.
ثمّ فُجعت بابنتها ليال، فذاقت مرارةَ الفقدِ مرّةً أخرى. ومع ذلك لم ترفع شكوى، ولم تسأل: لماذا أنا؟ بل احتضنت حزنَها بصمتٍ نبيل، وأشرفت طيلة حياتها على تربيةِ ابنها هلي، وهو من ذوي الاحتياجاتِ الخاصّة، فأغدقت عليه من حنانِها ما جعل العالمَ أقلَّ قسوةً في عينيه. عاشت مع قدرِها راضيةً صابرة، تُخفي وجعَها خلف وقارٍ شفيف، وتترك للصوتِ أن يقول ما تعجزُ عنه الكلمات.
وحين ظنّ الناسُ أنّ قلبَها قد استوفى نصيبَه من الأسى، جاءها النبأُ الأقسى: رحيلُ ابنها البكر زياد الرحباني، عملاقِ الموسيقى والفكر، المتمرّدِ الصادق، الذي كتب أوجاعَ الوطن بجرأةٍ لا تُجارى، وصاغ موسيقى لا تشبه إلا ذاتها. كان زيادُ امتدادًا لروحها، فكان فقدُه كاقتلاعِ نبضٍ من القلب.
ولم تمضِ أشهرٌ قليلة، حتى اكتملت دائرةُ الحزن، وفُجعت اليوم بابنها هلي. أيُّ أمٍّ أنتِ يا فيروز؟ وأيُّ قدرٍ هذا الذي لفَّ مسيرةَ حياتِكِ بكلِّ هذا الألم النبيل؟
كأنّي بكِ، في صمتِكِ الوقور، ترتّلين في الكنيسة ترنيمةً خفيّة:
«أنا الأمُّ الحزينة، على مثالِ سيّدةِ نساءِ العالمين، مريمَ بنتِ عمران، أمِّ السيّدِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم».
وتتجلّى المعاني في قولِه تعالى، وقد جاء ذكرُها في صلبِ الإيمان:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.
كأنّ هذه الآية تسكن صوتَكِ، وتفسّر سرَّ طمأنينتِكِ، وتمنح حزنَكِ معنى القبول.
أيُّ امرأةٍ أنتِ، وقد صار الحزنُ عندكِ صلاة، والصمتُ حكمة، والدمعةُ المؤجَّلةُ وسامَ شرف؟ لم تطلبي عزاءً، ولم ترفعي صوتَ شكوى، بل منحتِنا درسًا في النبلِ الإنسانيّ، يُعلِّمنا أنّ العظمةَ ليست في النجوميّة، بل في القدرةِ على الاحتمال.
نسألُ اللهَ أن يُلهمكِ الصبرَ والسلوان، وأن يُبقيكِ لابنتِكِ ريما، ويُبقيها لكِ سندًا ورفقًا في ما تبقّى من الدرب.
سلامٌ عليكِ يا فيروز، يوم غنّيتِ للحبّ، ويوم صبرتِ على الفقد، ويوم تقفين أمام ربّكِ بقلبٍ أنهكه الألمُ وزيّنه الإيمان.