استفاق اللبنانيّون على صدمةٍ جديدة في أسعار المحروقات، بعدما أقرّت الحكومة زيادة قدرها 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين ورفعت ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، في خطوةٍ وُصفت بأنها تثقل كاهل المواطنين في ظلّ أزمة معيشية خانقة.
وفي مقابل هذه الإجراءات، أعلنت الحكومة عن منح العاملين في القطاع العام زيادة تعادل ستة رواتب، دون إدخالها في أساس الراتب، ما يطرح تساؤلات حول جدواها واستدامتها.
تصريح وزير الإعلام بول مرقص عقب جلسة مجلس الوزراء زاد المشهد التباساً، إذ أوضح أن هذه الزيادة لن تُصرف قبل إقرار القوانين في المجلس النيابي. وبين ضرائب دخلت حيّز التنفيذ فوراً وزيادات مؤجّلة بانتظار المسار التشريعي، يجد المواطن نفسه أمام معادلة غير متكافئة، يدفع كلفتها يومياً على محطات الوقود، فيما تبقى الوعود رهن الإجراءات القانونية.
في هذا السياق أكد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر رفضه القاطع للإجراءات الضريبية الأخيرة التي أقرّتها الحكومة، معتبراً أنّها تمسّ بشكلٍ مباشر كلّ فئات الشعب اللبناني ولا سيما ذوي الدخل المحدود.
وقال الأسمر، إنّ هذه الإجراءات "مرفوضة بالمطلق من قبل الاتحاد العمالي العام"، داعياً الحكومة إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة لتمويل الزيادات المقرّرة للعاملين في القطاع العام، بدل اللجوء إلى ضرائب جديدة تُثقل كاهل المواطنين.
وشدّد الأسمر على ضرورة فتح حوار جدي ومسؤول مع الحكومة، لافتاً إلى أنّ الاتحاد باشر منذ اليوم سلسلة اتّصالات، ولا سيما مع وزير المالية، بهـ.ـدف توضيح عدد من النقاط وفتح نقاش فعلي حول خيارات أخرى أكثر عدالة.
وأشار إلى أنّ هناك حلولاً مطروحة يمكن اعتمادها، مثل تفعيل الجمارك، مكافحة التهريب، ومعالجة ملف الأملاك البحرية، موضحاً أنّ هذه الخطوات قد لا تكون كافية وحدها، لكنّها تسهم في التخفيف من وطأة الإجراءات الضريبية التي تنعكس سلباً على مجمل اللبنانيين، في وقتٍ تُعطى حقوق بعض الفئات من العمال، والاتحاد العمالي العام جزء منها.
وشدّد الأسمر على أنّه "لا يمكن تحميل مجمل الشعب اللبناني أعباء زيادات لا طاقة له على تحمّلها"، مؤكداً أنّ الاتحاد طالب الحكومة بشكلٍ صريح بالعودة عن هذه الإجراءات. وكشف عن اتّصالات جرت مع أعلى المراجع الرسمية، وصلت إلى وزير المالية، بالتوازي مع إبقاء الاجتماعات مفتوحة والتنسيق قائماً مع مختلف الروابط والهيئات في القطاع العام، بهـ.ـدف الوصول إلى موقف موحّد يرفض هذه الزيادات الضريبية.
وفي ما يتعلّق بالخطوات التصعيدية، أوضح الأسمر أنّه لا توجد حتّى الآن تحرّكات ميدانية مباشرة، لكنّه لفت إلى ضرورة منح الجهود الحوارية مهلة قصيرة، مع الإشارة إلى أنّ الاتحاد قد يتّجه لاحقاً إلى النزول إلى الشارع إذا لم تُسفر الاتّصالات عن نتائج. وأضاف أنّ الاتحاد عقد اليوم اجتماعاً مطوّلاً استمر لساعات، على أن تُستكمل الاجتماعات غداً، ولا سيما مع قطـ.ـاعات النقل التي تُعدّ الأكثر تضرّراً من هذه الزيادات.
وختم الأسمر محذّراً من أنّ رفع أسعار المحروقات والضرائب سيؤدي إلى زيادات كبيرة تطاول قطاع النقل، ونقل التلاميذ، وكلّ القطاعات المرتبطة باستخدام السيارات الخاصة والعمومية، ما سيُحدث حالة من اختلال التوازن الاقتصادي تطاول شريحة واسعة من اللبنانيين، مؤكداً أنّ المطلب الأساس يبقى العودة عن هذا القرار وتجنيب البلاد تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة.
بدوره انتقد رئيس اتحادات ونقابات النقل البري في لبنان بسام طليس القرارات الحكومية الأخيرة المتعلّقة برفع أسعار البنزين وزيادة الضرائب، مشدداً على أنّ الحكومة الحالية "تشبه سابقاتها" في اعتمادها على جيوب المواطنين كمصدر أساس للتمويل، واصفاً البنزين بأنّه السلعة الأكثر حساسية لارتباطها المباشر بكلّ مفاصل الحياة اليومية.
وأوضح طليس أنّ البنزين لا يرتبط فقط بقطاع النقل، بل يطاول السياحة، ونقل الركاب، ونقل البضائع، وكلّ القطاعات الإنتاجية والخدماتية، ما يعني أنّ أي زيادة عليه ستنعكس حكماً على الكبير والصغير، والغني والفقير.
وأشار إلى أنّ الحكومات عادةً ما تُجري مشاورات مع القطاعات المعنية قبل اتّخاذ قرارات بهذا الحجم، وتقوم بدراسة انعكاساتها وتأثيرها، إلا أنّ ما حصل، برأيه، جاء دون تشاور أو إعداد مسبق.
وفي ما يتعلق بالزيادات المقرّرة للعسكريين والمتقاعدين وموظفي القطاع العام، شدّد طليس على أنّ دعم هذه الفئات واجب، مؤكّداً أنّه من غير المقبول أن يُضطر العسكري إلى العمل في مهن إضافية لتأمين معيشته، لكنّه اعتبر في المقابل أنّ تمويل هذه الزيادات عبر رفع أسعار البنزين ليس حلاً، لأنّ ما يُعطى بيد يُؤخذ باليد الأخرى من خلال ارتفاع الأسعار وانعكاسها على مجمل كلفة المعيشة.
ولفت إلى أنّ الدولة تلجأ إلى البنزين؛ لأنه يؤمّن إيرادات سريعة للخزينة، إذ تُحصَّل الرسوم قبل وصول الشحنات إلى الأسواق، منبهاً إلى أنّ إضافة ما يقارب أربعة دولارات على صفيحة البنزين ستفرض واقعاً جديداً على قطاع النقل الذي سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة النظر بالتعرفة. وتساءل عمّا إذا كان المواطن قادراً على تحمُّل أي زيادة إضافية في بدل النقل، في ظل الضغوط المعيشية الحالية.
وأشار طليس إلى أنّ الفوضى التي شهدها الشارع وقطاع النقل بعد القرار تعكس غياب التخطيط المسبق، مؤكداً أنّ الأزمة لا تطاول النقل وحده، بل تمتد إلى القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، تماماً كما تطاول العسكريين والمتقاعدين والموظفين، "فلا أحد مرتاح أو راضٍ عن هذا الواقع"، بحسب تعبيره.
وعن الخطوات المقبلة، أعلن طليس أنّه دعا إلى اجتماع موسّع يوم الخميس المقبل 19 شباط/ فبراير 2026 عند الساعة العاشرة والنصف صباحاً في مقر الاتحاد العمالي العام، للتشاور واتّخاذ الموقف المناسب بالتنسيق مع المعنيين.
في غضون ذلك، لم يستبعد رئيس اتحادات ونقابات النقل البري خيار التحرك في الشارع في حال عدم استجابة الحكومة، وشدّد على أنّ أي خطوة تصعيدية يجب أن تكون مدروسة، لأنّ المتضرّر الأول من أي إضراب أو قطع طرقات سيكون المواطن نفسه الذي يستخدم وسائل النقل العام.
وختم طليس بالتأكيد على ضرورة إعطاء الحقوق للعسكريين والموظفين، لكن من خلال البحث عن أبواب تمويل أخرى، داعياً الحكومة إلى إعادة النظر بقرارها واعتماد مقاربة أكثر توازناً تراعي قدرة اللبنانيين على الاحتمال وتجنب البلاد مزيداً من الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي.