في إنجاز تربوي وبيئي غير مسبوق، أصبحت ثانوية راشيا الرسمية أول مدرسة لبنانية تنال تمويلاً ضمن القائمة النهائية لجائزة زايد للاستدامة العالمية لعام 2026، في سابقة على مستوى فئة المدارس الثانوية العالمية، واضعةً اسم لبنان على خريطة المشاريع التعليمية المبتكرة ذات البعد البيئي والتقني.
ويعكس هذا الإنجاز قدرة جيل شاب على تحويل التحديات البيئية إلى حلول عملية قابلة للتطبيق. فقد شارك أكثر من 360 تلميذاً في تطوير مشروع تقني يعمل بالطاقة الشمسية ومدعوم بالذكاء الاصطناعي، يهدف إلى تنظيف المياه السطحية من النفايات والمواد العائمة من خلال رصدها وجمعها تلقائياً، مع إرسال بيانات مباشرة إلى تطبيق هاتفي مخصص لمتابعة الأداء والنتائج.
وحصلت المدرسة على منحة بقيمة 25 ألف دولار أمريكي بصفتها مرشحاً نهائياً، على أن يُخصّص التمويل لتحويل الفكرة إلى نموذج تجريبي متكامل قابل للتشغيل. ويشمل ذلك تصنيع المكونات الأساسية للجهاز العائم من هياكل مقاومة للبيئات المائية ومحركات وأنظمة بطاريات وأجهزة استشعار، إضافة إلى تطوير البرمجيات والتطبيق الذكي وإجراء الاختبارات الميدانية للتحقق من الأثر البيئي والتشغيلي.
ويعتمد الحل المقترح على جهاز عائم يعمل بالطاقة الشمسية ويتنقل ذاتياً باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد النفايات وتجنّب العوائق وتحسين مسار التنظيف. كما يتيح التطبيق المرافق تتبع موقع الجهاز ومستوى الطاقة وكميات النفايات التي يتم جمعها، بما يعزز إدارة بيئية قائمة على البيانات في البحيرات والأنهار والمسطحات المائية.
ومن المتوقع أن تبدأ أول تجربة ميدانية خلال ستة أشهر من استكمال النموذج الأولي، في أحد المجاري المائية البطيئة في منطقة البقاع، بالتعاون مع بلدية محلية ومنظمات بيئية، وربما بدعم أكاديمي من جامعة لبنانية. وتركّز المرحلة التجريبية على قياس كفاءة جمع النفايات واستقرار التشغيل ومعايير السلامة البيئية قبل توسيع نطاق التطبيق.
ويتولى إدارة النظام وصيانته في المرحلة الأولى فريق الطلاب المؤسسين، وهم: أشرف دهام، ريم عقل، اندريسا أبو حجيلي، آية أبو لطيف وبشرى طلايع، بإشراف أكاديمي وشراكات تقنية، على أن يتم لاحقاً تدريب كوادر بلدية أو بيئية على تشغيله. وتبقى حقوق الملكية الفكرية محفوظة للفريق مع العمل على تسجيلها رسمياً بالتوازي مع تقدم مراحل التطوير واقتراب المشروع من التسويق.
ويُطوَّر المشروع ليكون حلاً قابلاً للتوسع يجمع بين البعد الإنساني والنموذج المستدام، إذ يمكن توفيره في المجتمعات محدودة الموارد عبر المنح أو الرعايات، فيما تستطيع البلديات والجهات القادرة اعتماد نماذج اشتراك أو شراكة تشمل خدمات الصيانة وتحليل البيانات، بما يضمن استمرارية الإنتاج والبحث والتطوير وتوسيع الأثر البيئي.
ومن المتوقع أن ينعكس المشروع إيجاباً على جودة المياه والحد من انتقال المخلّفات إلى الأنظمة البيئية الأكبر، بما يؤثر على الحياة المائية والزراعة والأنشطة المجتمعية المرتبطة بالمياه، إلى جانب تعزيز الوعي البيئي لدى الطلاب والمجتمعات المحلية وترسيخ ثقافة علمية قائمة على الابتكار التطبيقي.
وفي هذا السياق، قال الطالب أشرف دهام، قائد فريق الطلاب المؤسسين، إن الفكرة انطلقت من «إحساس مباشر بالمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع»، فيما أكدت الطالبة اندريسا أبو حجيلي أن العمل «شكّل تجربة تعليمية مختلفة جمعت بين العلم والتطبيق والعمل الجماعي»، معتبرةً الطالبة ريم عقل أن المشروع «ليس مجرد تجربة مدرسية، بل محاولة حقيقية لإحداث فرق».
بالتوازي، أعلنت جائزة زايد للاستدامة فتح باب التقديم لدورة عام 2027، حيث يحصل الفائز في كل فئة من الفئات الخمس المخصصة للمؤسسات على مليون دولار أمريكي، بينما يحصل ستة فائزين ضمن فئة المدارس الثانوية العالمية على 150 ألف دولار أمريكي لكل منهم لتنفيذ أو توسيع مشاريعهم الطلابية في مدارسهم ومجتمعاتهم. كما تمنح الجائزة، ضمن نهجها الجديد، ما مجموعه 1.3 مليون دولار أمريكي للمرشحين النهائيين، بواقع 100 ألف دولار أمريكي لكل مؤسسة و25 ألف دولار لكل مدرسة ضمن فئة المدارس الثانوية العالمية.
وتشكّل هذه الدعوة فرصة حقيقية للشركات والمؤسسات والمدارس في لبنان لتحويل أفكارها ومشاريعها إلى واقع ملموس من خلال التقدّم إلى الجائزة والاستفادة من منصتها العالمية الداعمة للابتكار والتنمية المستدامة.
وكانت مبادرات الجائزة قد وصلت سابقاً إلى لبنان، لا سيما عقب انفجار مرفأ بيروت عام 2020 من خلال مشاريع لإنارة الطرقات بالطاقة الشمسية. إلا أن إنجاز ثانوية راشيا يحمل دلالة مختلفة، إذ يقدّم طلاب في مدرسة رسمية حلاً تكنولوجياً ذا بعد عالمي، ويؤكدون أن الابتكار يمكن أن يولد من قلب التحديات، وأن لبنان، رغم أزماته، ما زال قادراً على إنتاج المعرفة والأمل.