24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة "وحدة 8200".. حين يسقط قناع "التفوّق" وتتكشّف الحرب على الوعي
"وحدة 8200".. حين يسقط قناع "التفوّق" وتتكشّف الحرب على الوعي
مصطفى عواضة
2026-02-19
"وحدة 8200".. حين يسقط قناع "التفوّق" وتتكشّف الحرب على الوعي

لم يكن انكشاف هوية قائد وحدة 8200 إبان معركة طوفان الأقصى مجرّد "خطأ تقني" كما حاول جيش الاحتلال التخفيف من وطأته، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لانهيار صورة التفوّق الاستخباراتي التي طالما سوّقها الكيان لنفسه ولحلفائه. فحين تُعرّى هوية رأس أخطر وحدة تجسّس سيبراني (Cyber Intelligence) في "إسرائيل" عبر آثار رقمية بدائية، يصبح السؤال أعمق من فضيحة شخصية، ويتحوّل إلى إدانة بنيوية لعقيدة استخباراتية كاملة تدّعي السيطرة الشاملة بينما تعجز عن حماية ذاتها.

وحدة 8200، التي طالما قُدّمت بوصفها العقل الرقمي الأعلى في كيان الاحتلال، تشكّل العمود الفقري لحرب التجسّس الإشاري (Signals Intelligence - SIGINT) والحرب السيبرانية (Cyber Warfare)، وتوازي في مهامها وكالة الأمن القومي الأميركية. غير أن ما جرى مع قائدها، يوسي سارييل (Yossi Sariel) الذي كاد أن يقتل في رد المقاومة الإسلاميّة على اغتيال الشهيد القائد السيد فؤاد شكر بقصفها مقر الوحدة الواقع في صحراء النقب في 30 آب /أغسطس 2024، لم يكشف فقط خللًا أمنيًا فحسب، بل فضح تناقضًا عميقًا بين خطاب السيطرة المطلقة وواقع هشّ قائم على الإفراط في الثقة بالتكنولوجيا.

وهنا أيضًا، يمكن الاستشهاد بما كُشف خلال حرب الأيام الاثني عشر على إيران في حزيران/ يونيو 2025 ليتبدّى حجم هشاشة المنظومة التي تتباهى بالتفوّق. فهناك، حيث جرى الرهان على كثافة البيانات (Data Density) والتحليل الخوارزمي (Algorithmic Analysis) بين الاستخبارات وأصحاب القرار، ظهر التصدّع بوضوح: تقديرات خاطئة، قراءة قاصرة للردود، ارتباك في التسلسل بين المعلومة والقرار، وانكشاف الفجوة بين ما تُظهره البيانات وما يحتمله الواقع.

 فالخلل لم يكن تقنيًا صرفًا كما ادعى كيان العدو، بل بنيويًا، نابعًا من الاعتماد المفرط على نموذج يُبسّط الإنسان والمجتمع إلى مدخلات رقمية، ويُسقِط من الحساب عناصر الإرادة والمبادرة والقدرة على قلب المعادلات.

هاتان التجربتان دليلان كافيان على أن المنظومة التي تُدار بالبيانات وحدها، وتُغذّى بتراكم رقمي بلا بوصلة أو فهم عميق للسياق، تنهار عند أول اختبار مركّب. فالتطوّر الذي يُسوَّق كضامن للحسم يتحوّل إلى عبء حين تتبدّل الشروط بسرعة، وحين يتصرّف الخصم خارج النماذج المتوقّعة، فتتكشّف حدود العقل الآلي وتتعرّى مخاطر التسليم لعدوٍّ بنى عقيدته على وهم السيطرة الشاملة.
كتاب القائد: اعتراف مؤجَّل بعقيدة القتل المؤتمت

بالعودة إلى كتاب سارييل (The Human - Machine Team)، فإن الأخطر من انكشاف الهوية هو ما انكشف معها من فكر. فالكتاب، الذي نُشر عام 2021 بإذن رسمي من جيش الاحتلال وتحت اسم مختصر، لم يكن بحثًا أكاديميًا محايدًا، بل وثيقة عقائدية تشرح كيف ينظر الكيان إلى أي حرب مقبلة: حرب بلا إنسان، أو بإنسان منزوع القرار.

في هذا الكتاب، يدافع قائد وحدة 8200 صراحة عن تسليم إدارة الميدان العسكري إلى أنظمة التعلّم الآلي، إذ إن العقل البشري يحسب رأيه بات عاجزًا عن معالجة فيض البيانات، وأن الحل يكمن في "الآلة التي تفكّر وتقرّر". هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، بل يتحوّل إلى سيّد القرار، فيما يُختزل دور الإنسان في المصادقة الشكلية.

هذه الرؤية لم تبقَ حبيسة الورق، بل تحوّلت إلى أنظمة قاتلة فُعّلت في حرب الإبادة على غزّة وفي عدوان أيلول 2024 على لبنان، وعلى رأسها منظومة هبسورا (Habsora) التي وصفها سارييل بـ"آلة الأهداف" (Targeting Machine)، والتي أنتجت عشرات آلاف الأهداف، أثبت الواقع أن غالبيتها الساحقة مدنية، كذلك منظومة لافندر (Lavender) وأدوات التصنيف البيومتري (Biometric Classification) التي حوّلت الوجوه والأسماء والعلاقات الاجتماعية إلى معادلات قتل.

من التجسّس إلى هندسة السلوك
ما يغيب عن كثيرين أن وحدة 8200 لم تعد تنتظر ثغرات لاختراقها، بل تصنع بيئة رقمية (Digital Environment) كاملة تدفع الناس إلى كشف أنفسهم طواعية. هنا تنتقل الحرب الرقمية إلى مستوى أخطر: لم يعد المستخدم هدفًا صامتًا، بل شريكًا غير واعٍ في إنتاج المعلومة.
 

أخبار مماثلة