24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة خطر المسيحية الصهيونية على الوجود المسيحي الفلسطيني
خطر المسيحية الصهيونية على الوجود المسيحي الفلسطيني
المطران عطا الله حنا
2026-03-03
خطر المسيحية الصهيونية على الوجود المسيحي الفلسطيني

 

لا بد لي أن أوضح أولاً، وقبل كل شيء، بأننا في قاموسنا الكنسي واللاهوتي لا نعترف بشيء اسمه المسيحية الصهيونية، فهذا المسمى تطلقه على نفسها جماعة متواجدة في أميركا وهم يتبنون تفسيرات مغلوطة للكتاب المقدس وخاصة للعهد القديم.
هؤلاء يطلقون على أنفسهم "المسيحيون الصهاينة " أو " الإنجيليون الصهاينة "، ونحن بدورنا لا نتبنى ولا نعترف بهذه التسمية، لأن هنالك تناقضاً كبيراً بين المسيحية، التي هي ديانة المحبة، والرحمة والسلام، والصهيونية التي تعتبر حركة عنصرية كانت سبباً أساسياً من أسباب ما حل بشعبنا الفلسطيني من نكبات ونكسات.
أن المسيحية والصهيونية لا يلتقيان، لأن المسيحية تنادي بنصرة المظلومين، والمتألمين، والمعذبين والمضطهدين، في هذا العالم، بينما الصهيونية هي حركة إرهابية، كانت سبباً أساسياً من أسباب التطهير العرقي الذي حل بفلسطين الأرض المقدسة، ولذلك فإننا نتحفظ على هذه التسمية التي لا نعترف بها ونعتبرها مسيئة للقيم والمبادئ المسيحية السامية.
لقد أعلنا في "وثيقة الكايروس" الفلسطينية، بأننا "نرفض التفسيرات الخاطئة للكتاب المقدس، التي تتبناها هذه الجماعات الموجودة في أميركا وفي غيرها من الأماكن، فهؤلاء يؤيدون "إسرائيل" بشكل كلي، ويتجاهلون حقيقة أن نكبة الشعب الفلسطيني تمت بوعد من بلفور وليس بوعد من الله، فلا يجوز على الإطلاق أن ننسب لله ما ليس فيه، فالله لا يحلل الظلم، والتشريد، والقتل واقتلاع الأبرياء من قراهم وبلداتهم".
إن هذه الجماعات التي تتخذ من أميركا مقراً لها، إنما هي لا علاقة لها بالمسيحية، وهؤلاء هم أقرب إلى اليهودية الصهيونية من المسيحية، فالمسيحية براء من مواقفهم، وأقوالهم، وأفعالهم وانحيازهم للاحتلال وسياساته وظلمه وقمعه وعنصريته.
إن هذه الجماعات الموجودة في أميركا ينتمي إليها الرئيس الأميركي ونائبه، كما أن هذه الجماعات لها نفوذ كبير في أميركا، لأنها تملك المال وتملك الكثير من الوسائل التي تجعلها قادرة على فرض ما تريد.
ولذلك فإنني أود أن أتوجه أولاً، إلى الكنائس المسيحية الموجودة في أميركا الكاثوليكية، والأرثوذكسية والإنجيلية، البعيدة عن هذا الفكر اللاهوتي المنحرف.
إنني أطالبهم وأناشدهم، بـ"ضرورة أن يتصدوا لهذا الفكر المتصهين الذي يتخذ من المسيحية شعاراً له، ولكن من حيث المضمون هم أبعد ما يكونوا عن المسيحية".
إننا نطالب كنائسنا في أميركا بأن "تتصدى لما يسمى الفكر المسيحي الصهيوني المسيء للعقيدة المسيحية وللقيم والأخلاق الإنسانية النبيلة".
والتصدي يجب أن يكون من خلال المنشورات والكتب التي تفند ادعاءات هذه المجموعات، وكذلك عقد مؤتمرات فكرية لاهوتية لمواجهة هذه الظاهرة التي نعتبرها مسيئة للمسيحية.
قبل عدة سنوات، عقد مؤتمر هام في مدينة القدس برعاية "مركز السبيل"، حول ظاهرة ما يسمى بالمسيحية الصهيونية، وكانت هنالك دراسات وأوراق بحثية قدمها لاهوتيون من مختلف أرجاء العالم، جمعت كلها في كتاب ترجم بعدها إلى اللغة العربية، ويحتوي هذا الكتاب على كافة المحاضرات، والدراسات والأوراق، التي قدمت في هذا المؤتمر الهام، حيث تم الإعلان عن "رفض ادعاءات هذه الجماعات المتصهينة التي تتدعي المسيحية زوراً وبهتاناً".
إن المسيحيين في فلسطين كما وفي مشرقنا العربي، يشعرون بأن هذه الجماعات إنما تسيء إليهم بشكل مباشر لأنها تبرر الاحتلال وسياسته، كما أنها تحلل ما حرمه الله وهي امتهان الكرامة الإنسانية والحرية وحقوق الإنسان.
المسيحيون الفلسطينيون يرفضون رفضاً قاطعاً ما تدعيه هذه الجماعات المتصهينة، وهؤلاء عندما يزورون مدينة القدس، وعندما يأتون إلى فلسطين يذهبون للتضامن مع المستوطنات، ومع المستوطنين ومع المتطرفين المستعمرين لبلادنا، وهم لا يلتقون مع المسيحيين الفلسطينيين.
هؤلاء لا يفكرون بالحضور المسيحي في فلسطين ولا يفكرون بالحضور المسيحي في المنطقة العربية، ولكن همهم الأساسي هو دعم "إسرائيل" وتبرير سياساتها، وقمعها وممارساتها بحق شعبنا.
لقد أعلنت الكثير من الكنائس المسيحية في بلادنا وفي منطقتنا، عن "رفضها لما تقوم به هذه الجماعات المتصهينة، التي تدعي المسيحية زوراً وبهتاناً"، ونحن في فلسطين إذ نعرب عن رفضنا للتفسيرات المغلوطة التي يتبناها هؤلاء حول الكتاب المقدس وخاصة العهد القديم، فإننا نؤكد "انتماءنا لهذه الأرض"، ونؤكد بأن "الكنيسة المسيحية الأولى التي بزغ نورها من هذه الأرض المقدسة، إنما ترفض بما تقوم به هذه الجماعات وما تنادي به"، ونعتبر ما يسمى بالمسيحية الصهيونية بأنها "هرطقة كبرى تستهدف المسيحية، وهويتها، ومبادئها، ورسالتها وحضورها العريق، في هذه المنطقة وفي فلسطين بنوع خاص".
عندما يتضامن هؤلاء المتصهينون مع الاحتلال، ويتجاهلون الظلم الواقع على شعبنا ويتجاهلون أن هنالك مسيحيين فلسطينيين يعانون كباقي أبناء شعبنا الفلسطيني، إن ما يقوموا به هؤلاء يتناقض والقيم والمبادئ المسيحية السامية.
عودوا إلى الإنجيل المقدس، فالسيد المسيح عندما كان ينتقل من مكان إلى مكان في هذه الأرض المقدسة لم نراه يذهب إلى الجبابرة، والزعماء والأغنياء، لم نراه ذاهباً إلى الظالمين متجاهلاً المتألمين، والمظلومين والحزانى، فقد كانت مواقفه دوماً معبرة عن انحيازه للفقراء، والحزانى، والثكالى، والمرضى، والمأسورين والمهمشين، كان نصيراً لكل إنسان مظلوم في هذا العالم، ومن أراد أن يكون مسيحياً حقاً، عليه أن يتعلم من السيد المسيح، كيف يجب أن تكون الإنسانية، وكيف يجب أن يكون انحيازنا دوماً للمظلومين وليس للظالمين.
إن هذه الجماعات المتصهينة الموجودة في أميركا وفي غيرها من الأماكن، إنما هي منحازة بشكل كلي إلى الظالمين على حساب المظلومين، وخطاب نائب الرئيس الأميركي في زيارته الأخيرة لمدينة القدس، كان خطاباً استفزازياً بشكل كلي، فإنه تجاهل وجود المسيحيين الفلسطينيين، وتجاهل وجود مسيحيين ومسلمين فلسطينيين ينتمون إلى شعب واحد، ويسعون للعيش بحرية وسلام في وطنهم وفي أرضهم المقدسة.
لقد استفزني خطاب الرئيس الأميركي لدى إعلانه عن "القدس عاصمة لإسرائيل"، وقد أتى هذا الإعلان في موسم عيد الميلاد، وكانت شجرة الميلاد منصوبة في القاعة التي فيها أطلق الرئيس الأميركي خطابه المشؤوم، حيث تجاهل الرئيس الأميركي رسالة الميلاد ورسالة صاحب العيد، أعني السيد المسيح الذي أتى إلى هذا العالم لكي يعلم البشرية القيم الإنسانية، ولكي يزرع في قلوبنا المحبة، والرأفة والحنان، ولكي يدعونا جميعاً لكي نكون منحازين لكل إنسان مظلوم في هذا العالم.
أقول من رحاب مدينة القدس، بأن التضامن مع الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانبه في محنته هو واجب على كل إنسان مسيحي، من كان مسيحياً حقاً كان مدافعاً عن شعبنا وكان مدافعاً عن فلسطين والقدس، وكان منحازاً لقضايا العدالة والحرية في عالمنا.
إن القضية الفلسطينية هي قضية مسيحية، لأنها قضية مرتبطة بأرض تباركت وتقدست بحضور السيد المسيح، ونحن في هذه الأيام التي ابتدأنا فيها مسيرة الصوم التي توصلنا إلى القيامة، نؤكد بأن أرضنا ستبقى أرضاً مقدسة، ومدينتنا ستبقى مدينة مباركة عاصمة للسلام، والمحبة والأخوة، عاصمة لفلسطين ولشعبها.
نؤكد في موسم الصوم الأربعيني المقدس، تشبثنا بوطننا، وتعلقنا بقدسنا ومقدساتنا، ورفضنا وتنديدنا لأي محاولات هادفة لتشويه نضال شعبنا وكفاحه من أجل الحرية.
نرفض رفضاً قاطعاً ما تدعيه هذه الجماعات المتصهينة التي تتخذ من المسيحية اسماً لها والمسيحية براء منها.
ندائي أوجهه إلى كافة الكنائس المسيحية في عالمنا، بأن ترفع صوتها دفاعاً عن القدس ودفاعاً عن فلسطين الأرض المقدسة، عندما يدافع مسيحيي عالمنا عن القدس وفلسطين، إنما يدافعون عن جذور إيمانهم وعن مقدساتهم، ويدافعون عن أرض مقدسة، غيب عنها العدل والسلام، وهي تتوق إلى أن يعود إليها سلامها المغيب وأن تتحقق فيها العدالة، لكي ينعم شعبنا الفلسطيني بالحرية التي يستحقها ويناضل في سبيلها.

أخبار مماثلة