لم يكن أحد ليجرؤ على انتقاد السياسة الأميركية نحو "إسرائيل" التي ظلّ دعمها بالمال والسلاح والاعلام والجامعات والنقض (الفيتو)، والحق الإلهي المزعوم من ثوابت السياسة الأميركية التي نظرت بحزبيها-حتى وقت قريب-إلى الكيان الإسرائيلي باعتباره "قلعة الدالايمقراطية" بالمنطقة الموبوءة بالاستبداد والديكتاتورية! أوأننا وهُم نتشارك نفس القيم الغربية التحررية (الليبرالية) أو أنها تشكل مصلحة أساسية للولايات المتحدة في غرب آسيا، حيث بحور النفط والغاز، وليس عيون العرب أو الفرس!
حصل التجرؤ الأكبر على نقد السياسة الأميركية شديدة الانحدار بالانحياز لدولة الكيان إثر المذابح والإبادة الجماعية التي حصلت في قطاع غزة (منذ مذبحة المعمدانى وما تلاها 17/10/2023م) ما يعني أن الدم الفلسطيني الطاهر الذي نزف كالشلال كان له أن أنار حتى عيون العميان في الولايات المتحدة كما سبقتها أوربا وأميركا الجنوبية وإن كانت الأخيرة ذات إرث نضالي مشهود.
لقد أعادت الدماء الفلسطينية المُنسابة رسم المشهد العالمي بثقة العربي والعربي الفلسطيني بعدالة قضيته وحقه الذي لا يزول، وسدّدت ضربة مؤلمة للانحياز والانحدار الأميركي تجاه دعم نظام الإبادة والإرهاب الذي تجلّى في عدوانه على غزة وما سبقه إن عدنا بالزمن للوراء من مواجهات وحروب أصبح استدعاؤها أساسيًا من قبل الإسرائيلي في مواجهة العالم وخاصة ضد الدول المحيطة.
تأتي حروب نتنياهو في إطار عقلية العدو الدائم التي يحملها مستندًا لمصالحه الشخصية باعتباره المتوج ملكًا من ملوك "إسرائيل"، أو ما يتراءى له من هواجسه الدينية التي تفترض وحدة الشعب في مواجهة العدو الأبدي بفهمه.
إن فكرة اختراع العدو لا تمثل العلامة التجارية المميزة الوحيدة للحكومة الإسرائيلية فمن اختراع "أرض إسرائيل" التاريخية الموهومة الى اختراع "الشعب" الموحد عبر التاريخ، الى اختراع القدس العاصمة الأبدية، تتجلى ابداعاته الشريرة في تكييف كل الأحداث التوراتية-المشكوك أصلًا في صحتها - لمصلحة اجترار التاريخ التوراتي، وحيث عاش مؤخرًا متقمّصا دور مرداخي وإستير اليهوديان الفارسيان ضد هامان الفارسي في ما أسماها من عملية "زئير الأسد"! (أنظر حرب ال12 يوم ضد إيران باسم توراتي محض "شعب كاللبؤة". وحرب "السيوف الحديدية" ضد غزة، المستعارة أيضًا من التاريخ التوراتي، وفي محاولة بائسة لهندسة الوعي أعاد التسمية ب"حرب النهضة").
يعيش الرجل الحلم القديم مجسدًا في واقعه الحديث ويجرّ الكل من حوله لهذه الاحلام التي تغذي طموحاته الشخصية والنزق الذي يتميز به والخداع ومسلسل الأكاذيب.
وما كان القادة الإسرائيليون ممن سبقوه بأقل صهيونية منه، ولكن إن تغطى أحدهم بثوب الديمقراطية المزعومة الوحيدة في منطقة "الشرق الاوسط"، فإنه لم يأبه بالمطلق لهذا الأمر حين ارتكب فظائعه في كل مكان وأصبح المطلوب رقم واحد للعدالة الدولية، وهذا يسجل أيضًا له ضمن اختراعاته أو علامته التجارية (Brand) المميزة.
يتسلح "نتنياهو" بمقدرة على التأثير محسوبة حتى على الرؤساء الأميركان وقد بدا هذا واضحا خاصة مع الرئيس "بايدن" ومن ثم مع الرئيس "ترامب" في ولايته الأولى والثانية، ففي الأولى كانت "صفعة العصر" وفي الثانية، حيث تشكل "نادي السلام" في ظل يدي "نتنياهو" الملطخة بالدماء وعضويته بالنادي، وتدمير غزة وإعادة احتلال الضفة وضمها فعليًا مما هو حاصل وبحروب لا تتوقف ضد لبنان وسوريا وتهديدات لكل المنطقة العربية الحالمة سواء مع مَن توافقوا معه ضمن صفقة (ترامب - ابراهام) أم لم يتوافقوا.
يختلف مسار تفكير ترامب عن نتنياهو ف"أميركا أولًا" شعاره الأثير لا يعني أن تكون "إسرائيل" أولَ الأولًا! ولا يعني أن تكون مصالحها مقدمة على المصالح الاميركية كما بدأت الأصوات تعلو كثيرًا بالفضاء الأميركي، ولا سيما وأن الحرب ضد الأسْر الأمريكي لمصلحة أهداف "إسرائيل" غير المتوافقة مع المصالح القومية الأميركية، ودعم حروب "نتنياهو" التي لم تتوقف من ثلاث سنوات قد أرهقت المفكرين والسياسيين والاعلاميين وقادة الرأي الأميركان والشبيبة، وقد أظهرت عجز الإدارة الاميركية عن التوفيق بين أميركا أولًا، أم "إسرائيل" أولًا!
في الحرب على إيران وضد فلسطين وفي الحرب على لبنان كان المؤلفان الأستاذان "جون ج. ميرشايمر" و"ستيفن والت" قد كتبا كتابهما: اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية (عام2007م)، وفيه علا صوتهم بجرأة وبلا خوف من سيف الاتهام ب(اللاسامية) حيث أشاروا لعلاقة بنيوية بين النظام الحاكم في أميركا والإسرائيلي، وكانا بكتابهما قد حلّلا خيوط العلاقة متهمين اللوبي الإسرائيلي في أميركا بإدارة السياسة الخارجية لبلادهم. مثّل الكتاب إطلالة كبرى وجريئة جدًا على العلاقة المنظمة التي يقودها اللوبي الصهيوني مستغلاً ثلاث منصات رئيسة الأولى: المنصة السياسية (حيث الرئاسة والنواب والكونجرس...)، ثم الإعلامية، ثم الدينية ممثلة بالمسيحية الصهيونية، وفي الأحداث الجارية انفتح الباب على مصراعيه فأصبح الصوتُ الخافت قويًا -لا سيما ودور وسائط التواصل الاجتماعي الهام - حتى باتت الاستطلاعات تحقق النقاط المتقدمة لدولة فلسطين على حساب الاحتلال والظلم والعنصرية القائمة.
انصهر ترامب الذي كان قد فقد الأمل بالحصول على جائزة نوبل للسلام بأهداف "نتنياهو" التوسعية ونظامه العدواني العنصري، وبدأ يناقض رغبته الأصلية كتاجر صفقات بأقل الخسائر، أو كما في برنامجه الذي بني ضد الحروب ب"الشرق الأوسط" أو غيرها، فهل استطاع نتنياهو بسحره الشهير وخرافاته الكثيرة والمملّة أن يستولى على قلب الرئيس الأميركي وعقله؟ أم أن الرئيس الأميركي المغامر والمهووس بصورته يستغل صديقه لتحقيق صفقاته التي ظهرت من خلال استراتيجية الأمن القومي الأميركي مرتبطة بالتهديد بالقوة للحصول على السلام أو الصفقات، رغم تجاوزه الحالي لها.
إن ما يحصل من حروب عدوانية لا تتوقف من ثلاث سنوات من قبل السلطة الإسرائيلية ضد الجميع مضافًا اليها سلسلة التهديدات لكل من لا ينصاع، جعلت الرئيس الأمريكي يواجه اليوم حربًا شرسة في كافة الاتجاهات من الشارع الأمريكي المثقل بأفكار الدفاع عن العدالة والديمقراطية وحقوق الانسان وضد الإبادة الجماعية في غزة، وأيضًا ما يواجهه من انشقاقات في حزبه الجمهوري، عوضًا عن التفوق الديمقراطي الاخلاقي للحزب الثاني الذي بات يؤيد بغالبه (وخاصة الشباب) الدولة الفلسطينية ويرفض الانصياعات لاملاءات نتنياهو والتفرغ لأمريكا ومصالحها وهي مع أمة العرب أكبر كما قال الإعلامي الشهير"تاكر كارلسون" عن دول الخليج مقابل "إسرائيل" مؤخرًا.
لم يكن أحد يجرؤ على نقد "إسرائيل" في أميركا خوفًا من سيف الاتهام ب"العداء للسامية" الا أن الكُثُر من السياسيين والمفكرين والاعلاميين الاميركان، والجماهير قد أسقطوا هذا السيف المسموم، وبدأوا يحرصون على مصالح بلادهم التي بدت أولى من صرف المليارات بلا مردود الى الحروب والقتل، ومن هنا سيبدأ التغيير. لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الثقل الصيني الذي تربع على عرش العالم رغم أنف أميركا، والى ذلك مازال الإسرائيلي بالمدى المنظور يجرّ الأميركي الى حروبه هو وضمن أهدافه.