ليست الحرب التي تدور اليوم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وحليفتها "إسرائيل" حدثاً يمكن إدراجه في خانة التوترات العابرة التي تطلّ برأسها بين حين وآخر.
فالصراع القائم يتجاوز هذه المعادلة بكثير، ليغدو لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، وربما في رسم ملامح العالم لعقود مقبلة.
بين الأميركي الطامح إلى تثبيت زعامة عالمية لا ينازعه عليها أحد، والإيراني الذي ينسج سياساته بهدوء وصبر كما تُنسج السجادة الفارسية، والإسرائيلي الذي يرى في كل ما يجري تمهيداً لمشروع دولةٍ يعتقد أن «يهوه» يرسم حدودها من الفرات إلى النيل، تتشابك معادلات معقّدة تتداخل فيها المصالح الكبرى مع الحسابات الإقليمية.
يقول مصدر سياسي متابع ل«جنوبيات»: "إن الحرب الدائرة اليوم ليست حرباً وجودية كما يتصوّر البعض. فإيران تدرك تماماً خطورة الانزلاق إلى مواجهة وجودية مع الولايات المتحدة، خصوصاً بعد خسائر كبيرة تكبّدتها في سياق ما يصفه المصدر بـ«مسلسل الاستنزاف الأميركي – الإسرائيلي»، الذي لم يوفّر حجراً ولا بشراً، ووصل إلى شخصيات قيادية بارزة في رأس النظام الإيراني".
وفي المقابل، تدرك "إسرائيل" أيضاً أن أي حرب وجودية قد تهدّد كيانها وجبهتها الداخلية بشكل لا يقبل الشك. أما في واشنطن، فإن قادة البيت الأبيض يراقبون بدقة تداعيات هذا الصراع على الداخل الأميركي، في ظل واقع سياسي واجتماعي يصفه مراقبون بأنه «مهترئ» ومشحون بالانقسامات، مع تنامي نقمة داخلية على استمرار الحروب وتكاليفها.
ويضيف المصدر: "إن الخيار المطروح اليوم ليس الحسم العسكري، بل إدارة المواجهة. فالمعادلة التي يجري العمل عليها تقوم على إبقاء النفوذ لكل طرف، مع تجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفتح أبواب خسائر لا يمكن احتواؤها". وفي هذا الإطار، تبرز مساعٍ للبحث الجدي في سبل الحد من التقدم النووي الإيراني، مقابل فتح قنوات تفاهم تقلّص احتمالات المواجهة مستقبلاً
ويختم المصدر بالإشارة إلى أن "قناعة بدأت تتشكل داخل دوائر القرار الدولية بأن الحل الدبلوماسي بات ضرورة لا خيارًا، في ظل التراجع الاقتصادي العالمي والمخاطر التي قد تطال بنية الاقتصاد والطاقة والاستقرار الاجتماعي في العديد من الدول".
فهل يلوح في الأفق بصيص تسوية يخفف من حدّة هذا الصراع؟
أم أن نزعات الهيمنة والأنانيات السياسية ستبقى أقوى من صوت العقل؟