مقال د. عبد الرحيم جاموس يقدّم قراءة فكرية سياسية عميقة لمسار القوة الأميركية في العالم ويطرح رؤية نقدية هادئة لكنها حادة في جوهرها
إذ يكشف التناقض بين الانتصار العسكري والخسارة السياسية والأخلاقية.
وفيما يلي قراءة تحليلية فكرية للمقال
بقلم: د. عادل جوده. العراق..
قراءة تحليلية في مقال
"حروب الإمبراطورية الأميركية…
هزائم بطعم الانتصار"
يقدّم الكاتب د. عبد الرحيم جاموس في هذا المقال رؤية تحليلية متماسكة لتاريخ التدخلات العسكرية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة القوة في النظام الدولي: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تصنع السلام والاستقرار؟ أم أنها قد تتحول أحياناً إلى عامل لتوليد الفوضى وإعادة إنتاج الأزمات؟
ينطلق المقال من حقيقة تاريخية لا جدال فيها، وهي أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب العالمية الثانية كأقوى دولة في العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. غير أن الكاتب لا يتوقف عند توصيف هذه القوة، بل يحاول تفكيك كيفية توظيفها في السياسة الدولية، مشيراً إلى أن تاريخ العقود الماضية شهد سلسلة طويلة من الحروب والتدخلات التي اتخذت شعارات متعددة مثل حماية الديمقراطية أو محاربة الشيوعية أو مكافحة الإرهاب.
لكن ما يلفت في قراءة الكاتب هو أنه لا يتعامل مع هذه الحروب من زاوية النتائج العسكرية المباشرة، بل من زاوية النتائج الاستراتيجية بعيدة المدى. فالتفوق العسكري الأمريكي، كما يوضح المقال، لم يكن كافياً لتحقيق استقرار دائم في المناطق التي شهدت تلك التدخلات. وهنا تتجلى الفكرة المركزية في النص: كثير من تلك الحروب انتهت إلى ما يمكن وصفه بـ "هزائم بطعم الانتصار".
ويستحضر الكاتب أمثلة تاريخية واضحة لتأكيد هذه الفكرة.
ففي فيتنام مثلاً، امتلكت الولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكنها في النهاية انسحبت عام 1975 بعد حرب طويلة تركت آثاراً نفسية وسياسية عميقة في المجتمع الأميركي نفسه.
وفي العراق تكررت المفارقة ذاتها؛ إذ أسقطت القوات الأميركية النظام السياسي بسرعة، لكنها لم تستطع بناء نظام مستقر، الأمر الذي أدى إلى تفكك مؤسسات الدولة وتصاعد الصراعات الداخلية.
كما يشير المقال إلى تجربة أفغانستان التي تمثل نموذجاً آخر لهذه المفارقة التاريخية. فبعد عشرين عاماً من الحرب والوجود العسكري المكلف، انتهى المشهد بانسحاب أميركي أعاد البلاد إلى نقطة البداية تقريباً، في صورة بدت للكثيرين وكأنها إعادة إنتاج لمشهد نهاية حرب فيتنام.
غير أن أهمية المقال لا تكمن فقط في استعراض هذه الوقائع التاريخية، بل في الاستنتاج الفكري الذي يبنيه الكاتب على أساسها.
فهو يؤكد أن الشرعية السياسية لا يمكن فرضها بالقوة العسكرية، وأن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه السلاح، بل تصنعه العدالة واحترام إرادة الشعوب.
وعندما ينتقل المقال إلى الشرق الأوسط، تتضح الأبعاد الأخلاقية في خطاب الكاتب بشكل أكبر.
فالحرب الدائرة في غزة، كما يراها، كشفت حدود الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، وأظهرت التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات السياسية. وهذا التناقض، بحسب رؤية الكاتب، لا يقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل يترك أثراً عميقاً في صورة النظام الدولي ومصداقيته.
ويطرح المقال في هذا السياق فكرة بالغة الأهمية، وهي أن القضية الفلسطينية تمثل الاختبار الأخلاقي الأكبر للنظام الدولي. فغياب حل عادل لهذه القضية يعني استمرار بؤرة توتر دائمة في الشرق الأوسط، ويجعل كل مشاريع الاستقرار الإقليمي مشاريع مؤقتة أو ناقصة.
كما يلفت الكاتب الانتباه إلى تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصاً في العلاقة مع إيران، محذراً من أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تفتح الباب أمام صراع إقليمي كبير تتداخل فيه الحسابات الدولية والاقتصادية، بما يهدد أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
ومن خلال هذا التحليل يصل المقال إلى استنتاج أوسع يتعلق بتحولات النظام الدولي.
فالعالم، كما يرى الكاتب، يتجه تدريجياً نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الهيمنة المطلقة لقوة واحدة قادرة على إدارة النظام العالمي كما كان الحال في العقود الماضية. ومع صعود قوى دولية وإقليمية جديدة، تتزايد أيضاً مطالب الشعوب باحترام سيادتها وحقها في تقرير مصيرها.
ويختم الكاتب مقاله بنبرة فكرية إنسانية تؤكد أن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحروب، بل إلى حكمة سياسية جديدة تعيد تعريف مفهوم القيادة الدولية. فالقيادة، في نظره، لا تعني فرض السيطرة أو الهيمنة، بل تعني القدرة على بناء نظام عالمي أكثر توازناً وعدالة.
وهكذا ينجح المقال في تقديم رؤية تجمع بين التحليل التاريخي والبعد الأخلاقي، ليطرح سؤالاً كبيراً حول مستقبل العلاقات الدولية:
هل ستستمر حروب الإمبراطوريات في تشكيل العالم، أم أن الإنسانية تتجه نحو مرحلة جديدة يصبح فيها السلام العادل بديلاً عن منطق القوة؟
إن قوة هذا المقال تكمن في أنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يدعو إلى إعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي، مؤكداً أن العدالة واحترام حقوق الشعوب هما الطريق الوحيد لصناعة سلام حقيقي ودائم.