يُحكى في عصرنا الحالي، وبين معارضٍ وموالٍ، أنّ إبليس الكبير جاء ينصح ابنه الصغير، فقال له بلهفة الأب الحريص على تعليم ولده أصول الإغواء والمعرفة والكيل بالمغرفة:
يا بُنيّ، لا تظنّ أنّ إغواء البشر بالأمر السهل، ولا بالشأن اليسير!
فأجاب الولد المطيع: وكيف ذلك يا أبي؟!
ردّ المعلّم الخطير، وبحنكة التدبير:
أغوِه بالنقود إن كان فقيرًا، أمّا إذا كان سياسيًّا حقيرًا فدعه وشأنه.
وإذا قام لصلاة الفجر فذكّره بدفء السرير، والنوم في العسل على فرش الحرير.
وإن كان مزارعًا فأغوه بسرقة الحمير.
وإن كان مهندسًا فأغوه بسرقة الإسمنت وحديد التعمير.
وإن كان صاحب سلطة فزيّن له أعمال الفساد بزينة التخدير.
وإن كان تاجرًا فعلّمه الاحتكار والغشّ في القطمير.
وقِس على ذلك الكثير الكثير.
وهنا انتفض إبليس الصغير سائلًا أباه: وإن كان لبنانيًّا، فماذا أفعل يا أبي؟
هنا بكى إبليس الكبير بكاءً مريرًا، وبحرقة المتلعثم أجاب:
يا ولدي، لا تكن شرّيرًا فوق العادة، ولا تُغرق في النوم على الوسادة؛ دع اللبنانيّ وشأنه، فأمره عسير.
إنّه في دنياه يعيش في السعير المشتعل الذي وُعِدَ به من حكّامه، في عتمة ليلٍ بهيمٍ أليل.
دعه يا ولدي، فعمره قصير، وحاله في منتهى القهقرى والتعتير، ويكفيه ذلًّا أنّ سياسيّي بلاده بلا ضمير.
ألا يعرف قلبك الرحمة، أيّها الصغير؟!
وبنظرةٍ تحليليّةٍ إلى هذه النصيحة الأبويّة، نرى أنّ إبليس اللعين بات متعاطفًا مع اللبنانيّين أكثر من بعض سياسيّيهم!
وباختصار، ودرءًا للتكرار، لا بدّ للظالم أن يدفع ثمن ظلمه.
ولحاكمي البلد بالحقد والحسد نقول، وبالفم الملآن:
"تبقوا احكموا البلد إذا ضلّ في مين يخبّر"!
ولعلّ أشدّ ما في هذه المفارقة إيلامًا، أنّ الشرّ حين يعجز عن ابتكار وسائل جديدة للأذى، يكتفي بمراقبة واقعٍ يفيض ظلمًا من تلقاء نفسه. عندها، لا يعود الإصلاح خيارًا مؤجّلًا، بل ضرورة وجوديّة، لأنّ الأوطان التي تُترك للعبث طويلًا، لا تنقصها الشياطين، بل تنقصها الضمائر الحيّة.