24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"وعيٌ غائب"!
القاضي م جمال الحلو
2026-04-01
"وعيٌ غائب"!

 

يُحكى أنّ رجلًا من البادية صادف أعرابيًّا عند بئر ماء، فلاحظ ثِقَلَ حِملِ بعيره، فسأله عمّا فيه. فقال الأعرابيّ: هذا كيسٌ فيه المؤونة، وأمّا الآخر ففيه ترابٌ ليستقيم الوزن بين الجانبين. فقال الرجل: لِمَ لا تستغني عن كيس التراب، وتُقسِّم المؤونة بين الجهتين، فتُخفِّف الحمل عن البعير؟ فقال الأعرابيّ: صدقت. ففعل ما أشار به عليه. ثمّ عاد يسأله: أأنت شيخُ قبيلةٍ أم شيخُ دين؟ فأجابه الرجل: لستُ هذا ولا ذاك، بل رجلٌ من عامّة الناس. عندها قال الأعرابيّ: قبّحك الله! لا هذا ولا ذاك، ثمّ تُشير عليّ بالنصيحة! وقام بإعادة حمولة البعير كما كانت.

هكذا حالُ كثيرٍ من الناس؛ لا تعنيهم الأفكار، وإن صَحَّت واستقامت، بقدر ما تعنيهم الأسماءُ والألقابُ التي تتصدّرها، وإن جانبت الصواب. فالفكرةُ عندهم تُوزَن بقائلها لا بميزان العقل، وتُقاس بهيبة صاحبها لا بحجّة برهانها.

إنّ تقديسَ الأصنام البشريّة، والانقيادَ الأعمى وراء الأقوال والأفعال، مهما كانت واهيةً أو هدّامة، كان ولا يزال من أبرز أسباب ضياع الأمّة وتعثّر مسيرتها. إذ تُصادَر العقول، وتُهمَّش الكفاءات، ويُرفَع غيرُ الأكفّاء إلى مصافّ القيادة، لمجرّد ما يحملونه من ألقابٍ أو ما يُحيط بهم من هالةٍ زائفة.

وفي وطنٍ تتنازعُه العجائب والغرائب، ويغيب فيه الضمير، ويعلو فيه التسلّط، يبرز السؤال الملحّ: متى نخرج من غياهب الجهل، ونكفّ عن الارتهان لزعاماتٍ خرقاء، فنستعيد شيئًا من كرامةٍ أُهدرت على أعتاب المذلّة؟

لعلّ البداية تكون حين نُعيد الاعتبار للفكرة قبل صاحبها، وللحقيقة قبل مروّجها، فنُحكِّم عقولنا لا أهواءنا، ونزن الأمور بميزان الوعي لا بميزان التبعيّة. عندها فقط، يمكن للأمّة أن تستردّ بوصلتها، وتخطو نحو نهضةٍ تُبنى على صدق الرأي ونبل المقصد، لا على صخب الشعارات وبريق الألقاب.

 

أخبار مماثلة