24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "جسورُ القلوب"!
"جسورُ القلوب"!
القاضي م جمال الحلو
2026-04-09
"جسورُ القلوب"!

من المعروف أنّ يونس بن عبد الأعلى هو أحد طلاب الإمام الشافعي رحمه الله. وذات يوم، اختلف يونس مع أستاذه الشافعي في مسألةٍ ما أثناء إلقاء هذا الأخير درسًا في أحد المساجد. فقام يونس غاضبًا، وترك الدرس، وعاد إلى بيته.

فلما أقبل الليل، سمع يونس طرقًا على باب منزله، فقال: من بالباب؟
أجاب الطارق: محمد بن إدريس.
فقال يونس: "والله، لقد فكّرت في كل من اسمه محمد بن إدريس، إلا الإمام الشافعي!"
قال: فلما فتحت الباب، فوجئت به.

فقال له الإمام الشافعي:
"يا يونس، تجمعنا مئات المسائل، وتفرّقنا مسألة؟
يا يونس، لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات، فأحيانًا كسب القلوب أولى من كسب المواقف.
يا يونس، لا تهدم الجسور التي بنيتها وعبرتها، فربما تحتاجها للعودة يومًا ما.
يا يونس، اكره الخطأ دائمًا، ولكن لا تكره المخطئ، وأبغض بكل قلبك المعصية، لكن سامح وارحم العاصي.
يا يونس، انتقد القول، لكن احترم القائل."

ما أجمله من كلامٍ ينمّ عن رقيٍّ وأخلاقٍ عالية! وكيف لا، وهو الإمام الشافعي رحمه الله. إنها أخلاق الكبار، التي ترفع الخلاف من درك الخصومة إلى أفق الحكمة، وتحوّل التباين من سببٍ للفرقة إلى جسرٍ للفهم.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتقلّ فيه الإصغاءات، نغدو أحوج ما نكون إلى هذا النَّفَس النبيل؛ إلى أن نُحسن إدارة اختلافنا، لا أن نُحسن إشعالَه. فالفكرة تُناقش، والرأي يُمحَّص، أما الإنسان فمكانه محفوظ، وكرامته مصونة، لا تُمسّ ولا تُساوَم.

إن مهمتنا أن نقضي على المرض، لا على المرضى. فكم نحتاج إلى هذا المعنى في أيامنا هذه، وكم نحتاج إلى حوار الكبار لتصحيح المسار. وكم نحن بحاجة إلى تلك المفاهيم القيّمة التي تُبدّد الجهل المطبق، الذي لازم مسيرة وطنٍ جريح، استُبيحت فيه المحارم والحرمات.

فهل من يعتبر؟
وهل من يسمع؟
وهل من يتّعظ؟

 

أخبار مماثلة