24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "دهاءٌ فِطريّ"!
"دهاءٌ فِطريّ"!
القاضي م جمال الحلو
2026-04-10
"دهاءٌ فِطريّ"!

يُروى في الحكايات الطريفة أنّ قومًا كانوا يأكلون السمك عند رجلٍ ثريّ، عُرف بين قومه بإقامة الولائم على نحوٍ متتابع. وبينما هم كذلك، إذ بأشعب يستأذن للدخول عليهم، فقال أحدهم:
"إنّ من عادة أشعب أن يجلس إلى أعظم الطعام وأفضله، فخذوا كبار السمك واجعلوها في قصعةٍ في ناحيةٍ لا تصل إليها يده، لئلّا ينال منها."

ففعلوا ذلك، ثم أُذن له بالدخول. فقالوا له:
"كيف حالك؟ وما رأيك في السمك؟"

فقال:
"والله إنّي لأبغضه بغضًا شديدًا؛ لأنّ أبي مات في البحر، فأكله السمك!"

فقالوا مازحين:
"إذًا هلمّ للأخذ بثأر أبيك!"

فجلس إلى المائدة، ومدّ يده إلى سمكةٍ صغيرةٍ ممّا أبقوه بين يديه، ثم رفعها إلى أذنه كأنّه يُصغي إليها، وأخذ يُجيل بصره نحو القصعة التي وُضعت فيها الأسماك الكبيرة، وقد فطن لما دبّروه له. ثم قال:
"أتدرون ما تقول هذه السمكة الصغيرة؟"

قالوا:
"لا ندري."

فقال أشعب:
"تقول: إنّي صغيرة، ولم أشهد موت أبيك، ولم أشارك في التهامه، وإنّما عليك بتلك الأسماك الكبيرة في القصعة، فهي التي أدركت أباك وأكلته، فثأرك عندها!"

فضحك القوم، وأدركوا أنّ الحيلة قد انقلبت عليهم، وأنّ من أراد أن يخدع غيره قد يُخدع بدهاءٍ أبلغ.

إنّه الذكاء الفطري الذي يتحلّى به أصحاب البصيرة؛ أولئك الذين يقرؤون ما وراء الظواهر، فلا تنطلي عليهم الحِيَل، ولا تمرّ عليهم الخدع مرور الكرام. فالفطنة بوصلة الحكمة، وعدّة الوعي، ونافذة النجاة في مواقف الالتباس.

وفي طيّ هذه الحكاية عبرةٌ بالغة: أنّ المكر، وإن بدا مُحكمًا، فإنّ في الحياة عقولًا أذكى منه، تكشفه وتردّه على أصحابه، وتُعلّمنا أنّ صفاء الذهن، لا شدّة الحيلة، هو الغالب في نهاية المطاف.

وقد صدق الله تعالى إذ يقول:
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾

صدق الله العظيم.

القاضي م جمال الحلو

جنوبيات
أخبار مماثلة