تتجه الأنظار إلى الاجتماع التفاوضي اللبناني - "الإسرائيلي" المباشر المقرر عقده اليوم في واشنطن برعاية أميركية حصرية، وسط ظروف ومعطيات لا تؤشر إلى إحداث تطور إيجابي، في ظل مسار التطورات الخطيرة الناجمة عن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان.
ولا تقلل العبارات الملطفة التي تسبق هذا الاجتماع من تعقيدات وخطورة هذا المسار التفاوضي، الذي يبدأ تحت النار الإسرائيلية، والذي يفتقد إلى أية ضمانات أو مؤشرات تدل على إمكانية تحقيق مطلب المفاوض اللبناني الأول، أي وقف إطلاق النار.
وعشية بدء هذا المسار التفاوضي المحفوف بمخاطر كبيرة، يبرز الانقسام اللبناني على المستوى السياسي والشعبي حول هذا الخيار، الأمر الذي يزيد من علامات الاستفهام حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المرحلة المقبلة. ولا يقتصر هذا الانقسام على الخلاف بين القوى السياسية، بل يمتد إلى بيت أهل الحكم، منذ أن أعلن الرئيس جوزاف عون مبادرته وما صدر بعدها من مواقف.
والمعلوم أن الرئيس نبيه بري أكد في حينه رفضه التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، وشدد على الالتزام بالقرار 1701 وبـ"لجنة الميكانيزم"، كإطار للتفاوض وفق مندرجات اتفاق وقف النار الذي حصل في العام 2024.
وبعد التطورات المتتالية، لا سيما منذ اندلاع الحرب الأخيرة، شدد الرئيس بري على وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى الجنوب قبل أي مفاوضات، وأكد مرارًا رفض مشاركة أي ممثل شيعي في الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة.
ومنذ ذلك الوقت لم يصدر عن الرئيس بري أي موقف آخر في هذا الخصوص، وحرص في الوقت نفسه على عدم تحويل الخلاف حول هذا الموضوع إلى مادة ينفذ منها العدو من أجل العمل على خلق فتنة في لبنان، ولعب مؤخرًا دورًا أساسيًا إلى جانب الرئيسين عون وسلام، وبالتعاون الكامل مع حزب الله، على قطع الطريق على محاولات المسّ بالسلم الأهلي وإثارة أجواء الفتنة، مشددًا على الدور الوطني للجيش اللبناني بقيادة العماد رودولف هيكل في حماية الاستقرار والأمن في البلاد.
وتقول مصادر مطلعة إن جهات داخلية تحاول التشويش على موقف الرئيس بري، ويذهب بعض المصطادين بالماء العكر إلى القول إنه يحرص على عدم تظهير موقفه تجاه المفاوضات في هذه المرحلة بسبب الضغوط التي يشعر بها.
ويسخر مصدر مطلع على موقف الرئيس بري من هذه التكهنات والتفسيرات المشبوهة، لافتًا إلى أن الجميع في الداخل والخارج خبر ثبات وصلابة مواقف الرئيس بري في أصعب وأخطر الظروف، وأنه ليس هو الرجل الذي يتأثر بالضغوط من أي جهة أتت أو مهما كان حجمها.
ويقول المصدر إن لا حاجة لتكرار موقف الرئيس بري، مشيرًا إلى أن هيئة الرئاسة في حركة "أمل"، وهي أعلى هيئة في الحركة التي يرأسها، أعلنت موقفها من المفاوضات بكل وضوح في 25 آذار الماضي، وهو: "إننا غير معنيين بأي تواصل مباشر مع العدو، وأن الطريق الوحيد هو تطبيق القرار 1701، أي وقف إطلاق النار، والانسحاب من الأراضي المحتلة، إعادة الإعمار، وتنفيذ مندرجات القرار بالآلية المتفق عليها (الميكانيزم)".
ويضيف المصدر أن هذا الموقف يعبر عن المواقف التي كررها الرئيس بري، مشيرًا إلى أنه أكد للمسؤولين في لبنان وجهات وقيادات خارجية عديدة، ومنها الرئيس الفرنسي ماكرون، على وقف النار والعدوان الإسرائيلي قبل أي تفاوض. ويرى المصدر أن هذا الموقف يعتبر هو ألف باء أي تفاوض، وأن الذهاب إلى المفاوضات قبل وقف العدوان يعتبر خطوة مجانية للعدو الإسرائيلي.
ويؤكد المصدر أن موقف الرئيس بري لا لبس فيه، وأن وقف إطلاق النار هو الشرط الأساسي لأي تفاوض، وأن التفاوض تحت النار غير مقبول ولا مبرر له. ويسخر المصدر من البعض الذين يتهمون الرئيس بري بتغليف موقفه مؤخرًا بالضبابية، مشيرًا إلى المواقف التي صدرت مؤخرًا عن قيادات ومسؤولين بارزين في حركة "أمل"، والتي تترجم موقف ومفردات الرئيس بري.
ويندرج في هذا الإطار تصريح النائب قبلان قبلان، وتأكيده أن هيئة الرئاسة تعكس موقف الرئيس بري بشكل لا لبس فيه. كما عكس عضو هيئة الرئاسة في الحركة خليل حمدان مؤخرًا بوضوح موقف الرئيس بري بقوله: "إن الدعوة لمفاوضات مباشرة مع "إسرائيل" قبل وقف إطلاق النار تشكل ذهابًا إلى المجهول". وأضاف: "إن التمسك بالقرار 1701 يبقى الأساس، وأن وقف إطلاق النار هو الشرط الضروري لأي تفاوض، لأنه لا يمكن القبول بالتفاوض تحت النار، ولا يوجد مبرر لذلك".