24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم استراتيجية الإنقاذ والعدالة التربوية الوطنية
استراتيجية الإنقاذ والعدالة التربوية الوطنية
علي خليل ترحيني
2026-04-30
استراتيجية الإنقاذ والعدالة التربوية الوطنية

 

تأتي هذه القراءة في لحظة تاريخية فارقة يمر بها لبنان، حيث يواجه القطاع التربوي تحديات وجودية تفرضها تداعيات الحرب وأزمات النزوح، مما يتطلب استجابة استثنائية تتجاوز الحلول التقليدية نحو رؤية وطنية ناضجة تجعل من العدالة التعليمية ركيزة أساسية لصون السيادة واستقرار المجتمع. إن إدارة الأزمات في هذا القطاع ليست مجرد تدابير إدارية طارئة، بل هي فلسفة عميقة تسعى إلى تكريس المواطنة الحقة والارتقاء بالإنسان فوق كل التباينات الاجتماعية أو الاقتصادية، بعيداً عن منطق التحدي أو الانقسام، وبما يعزز التفاهم والتنسيق بين جميع المكونات الوطنية لتعزيز سيادة الدولة واستقلالها.

إن جوهر العملية التربوية في ظل الأزمات يكمن في تأمين تكافؤ الفرص، فلا يمكن القبول بقرارات لا تراعي الواقع القاسي الذي يعيشه الطلاب، لا سيما في المناطق التي واجهت تعثرات حادة في التحصيل نتيجة الانقطاع التقني والظروف الميدانية. إن بناء استراتيجية إنقاذية يجب أن يستلهم "نواميس" العدالة، وهي القوانين الأساسية والمبادئ الثابتة التي تنظم حياة المجتمعات وتضمن تماسكها. ويستوجب ذلك مقاربة هيكلية تدعم المدرسة الرسمية باعتبارها الحاضنة الوطنية الأولى التي تصهر الطاقات، وترفض تغليب مصالح التعليم الخاص التي قد تضع الأعباء المالية فوق الرسالة التربوية، فالمدرسة الرسمية هي الفعل الحقيقي للإيمان بالدولة.

تتأسس هذه الخطة على مرتكزات وأهداف واضحة تضمن العبور نحو استقرار مستدام:

أولاً: الاستقرار المؤسساتي والحوكمة الشفافة:

 تهدف الخطة إلى تحويل المدرسة الرسمية من مرحلة الاستجابة الاضطرارية إلى مرحلة الدعم المؤسساتي المنظم، عبر إجراء مسح دقيق للاحتياجات اللوجستية وتفعيل قنوات التنسيق المباشر مع الهيئات التعليمية التي سطرّت نموذجاً في التكافل المهني.

ثانياً: التوازن المعرفي والعدالة التقييمية:

 السعي نحو موازنة دقيقة بين استمرارية العام الدراسي وبين الواقع الميداني، من خلال تعديل المناهج لتشمل ما تم تدريسه فعلياً، واعتماد آليات تقييم مرنة تراعي الصعوبات النفسية واللوجستية، بما يضمن عدم تحول الأزمات الأمنية إلى فجوات معرفية أو طبقية.

ثالثاً: التكامل النفسي والاجتماعي:

 إدماج برامج دعم نفسي تراعي المراحل العمرية المختلفة، لترميم التصدعات التي خلفتها الحرب، والتعامل مع التعليم كعملية "صيرورة" مستمرة، وهي التغير والتطور التدريجي الذي يبني الإنسان ويجعله قادراً على التكيف مع المتغيرات الكبرى.

رابعاً: التحول الرقمي كضمانة تعليمية:

 معالجة الفجوة التقنية عبر توفير موارد الطاقة البديلة وتحسين شبكات الاتصال، لضمان استمرارية الربط التعليمي في أصعب الظروف، واعتبار التكنولوجيا أداة لتعزيز المساواة لا وسيلة لزيادة التفاوت.

إن هذه الرؤية تجعل من التربية "مستنهضاً للهمة"، أي المحرك الفعلي للوعي الجماعي الذي يبعث العزيمة في النفوس، و"منتظراً لساعة الإشراق" التي تفتح أبواب الأمل وتُخرج الطاقات من عتمة الأزمات نحو آفاق المعرفة الوطنية الصافية. إن إنصاف المعلمين وتكريم تضحيات الشهداء والجرحى من أهل القطاع التربوي ليس مجرد لفتة وفاء، بل هو ركن أساسي في بناء الوجدان الوطني. وفي الختام، يظل الاستقرار التربوي هو المدخل الإلزامي للاستقرار الوطني الشامل، حيث تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة العقد التربوي على أسس من الشفافية والمسؤولية الإنسانية التي تستشرف مستقبلاً آمناً ومستداماً لجميع أبناء الوطن.

أخبار مماثلة