ليس كلُّ اسمٍ يُكتب يُحفظ، ولا كلُّ أثرٍ يُترك يُخلَّد؛ فالتاريخُ انتقائيٌّ في ذاكرته، لا يُبقي إلا ما اتّصل بالجوهر، وارتقى في معارج الإبداع، واستحقَّ أن يكون شاهدًا على عصره. ومن بين هذه الأسماء التي خطّت حضورها بمدادٍ من نور، يبرز اسم العميد الدائم الدكتور محمد توفيق أبو علي، علَمًا من أعلام اللغة العربية، وأديبًا صاغ من الحرف روحًا، ومن الكلمة حياة.
هو ذلك الإنسان الذي لم يكتفِ بعشق العربية، بل سكنته وسكنها، فحلق في سماها طائرًا لا يعرف حدًّا، وسبر أغوارها غواصًا ماهرًا، حتى غدا فرقد الضاد، وابن بجدتها الذي يعرف دقائقها كما يعرف الشاعر نبض قلبه. لم تكن اللغة لديه أداةً للتعبير فحسب، بل كانت كيانًا حيًّا، يتنفسه فكرًا، ويجسّده أدبًا، ويمنحه من روحه ما يجعله نابضًا في كل نصٍّ يكتبه.
وإذا كان لكل عصرٍ رموزه وأعلامه، من السموأل إلى جرير، ومن المتنبي إلى أحمد شوقي، ومن عمر أبو ريشة إلى الأخطل الصغير والرصافي، فإن محمد توفيق أبو علي قد حجز لنفسه مكانًا وضاءً في سجلّ هذا العصر، لا بالتقليد ولا بالاجترار، بل بالإبداع الأصيل الذي ينهل من التراث، ويضيف إليه، ويُلبسه حُلّةً جديدة من البيان والبلاغة.
إن من يقرأ شعره، أو يتأمل في أدبه، أو يُصغي إلى محاضراته، يشعر أنّه أمام تجربة استثنائية، وكأن اللغة قد اجتمعت فيه بكل محاسنها، فأعطته مفاتيحها، وباحت له بأسرارها، فصار لسانها الناطق، ووجدانها الحيّ. في نصوصه جزالةٌ لا تُثقل، وعذوبةٌ لا تُفرّط، وعمقٌ يُلامس الفكر دون أن يفارق الجمال.
ولا نغالي إذا قلنا إن هذا الأديب الكبير، وبعد عمرٍ مديدٍ نرجوه له بالصحة والعافية، سيبقى منارةً يُهتدى بها، وعَلَمًا يُستضاء بنوره، لرؤية طريق اللغة العربية، ذلك الطريق المعبّد بجُونة المسك، والمفروش بعطر الكلمات، حيث تمضي الأجيال مستلهمةً من عطائه، ومقتديةً بأثره.
هكذا تُكتب الأسماء التي لا يمحوها الزمن، وهكذا يُصنع الخلود: صدقٌ في العطاء، وإخلاصٌ في الرسالة، ووفاءٌ للغةٍ كانت، وستبقى، هويةَ الروح ومرآةَ الحضارة.