24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"روحُ الوطن"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-03
"روحُ الوطن"!

الوطن ليس خريطةً تُرسَم، ولا نشيدًا يُردَّد، ولا خطابًا يُلقى في المناسبات. الوطن حالةُ انتماءٍ حيّة، تنبض في الضمير قبل أن تُرفع على الساريات. هو العلاقة الخفية بين الإنسان وترابه، بين الذاكرة والرجاء، بين ما كان وما ينبغي أن يكون.

في الأوقات الصعبة، ينكشف المعنى الحقيقي للوطن. لا يظهر في وفرة الشعارات، بل في قلّة اليأس؛ في قدرة الناس على التماسك رغم الضيق، وعلى التشارك رغم الانقسام، وعلى زرع الأمل في أرضٍ أنهكها الانتظار. فالأوطان لا تسقط حين تضعف، بل حين يفقد أبناؤها الإيمان بإمكان نهوضها.

الوطن مسؤولية مشتركة، لا وظيفة جهةٍ دون أخرى. يبدأ من سلوك الفرد قبل قرار الدولة، ومن أمانة العمل قبل صخب السياسة. حين يتقن الموظف عمله، ويحفظ التاجر عدالته، ويُخلص المعلّم لرسالته، ويصون القاضي ميزانه، نكون أمام وطنٍ يُبنى بصمتٍ لا بضجيج.

ليست الوطنية أن نختلف أقل، بل أن نختلف على نحوٍ أفضل؛ أن نجعل الحوار جسرًا لا خندقًا، وأن نؤمن بأن التنوع غنى لا تهديد. فالوطن الذي يتّسع لآراء أبنائه جميعًا هو وطنٌ أقوى من كل الأزمات، لأن وحدته تنبع من القناعة لا من الإكراه.

وفي لبنان — هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير بتجربته — تعلّم الناس أن البقاء ليس صدفة، بل إرادة. مرّت عليه العواصف، وتكسّرت عند صبر أهله، وما زال، رغم التعب، يُنبت في كل جيلٍ بذور حياةٍ جديدة.

الوطن لا يريد منّا أن نهتف له فقط، بل أن نُحسن تمثيله: في أخلاقنا، في لغتنا، في تعاملنا، وفي احترامنا بعضنا لبعض. فحين يرتقي الإنسان، يرتقي وطنه معه.

ولعلّ الخلاصة الأصدق أن الوطن ليس ما نرثه فحسب، بل ما نصنعه كل يوم؛ نصونه بالفعل قبل القول، ونحميه بالوعي قبل الحماسة، ونمنحه من ذواتنا بقدر ما نطلب منه. فإذا تلاقت الإرادة الصادقة مع العمل الدؤوب، تحوّل الحلم واقعًا، وغدا الوطن بيتًا يليق بأبنائه، لا مجرد ذكرى يتغنّون بها.

وطنٌ كهذا لا يُهزَم… ما دام فيه قلبٌ يؤمن، وعقلٌ يعمل، وضميرٌ لا يساوم.

جنوبيات
أخبار مماثلة