تعدّدت المصادر والروايات حول صحّة هذه المقولة: أهي حديث يُروى، أم حكمة مأثورة جرت على ألسنة الناس لما تحمله من عمق المعنى وصدق الدلالة؟ غير أنّ الثابت في الحالتين أنّ الأجيال تناقلت منذ زمن بعيد قولهم:
"الحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها."
ويُروى أنّ هارون الرشيد كان يتنزّه يومًا في حديقته مع خاصّته، فرأى نديمه ومستشاره "بهلول" جالسًا على غصن شجرة، على عادته في غرابة الموقف وعمق المغزى. فناداه قائلًا:
- يا بهلول، ما حكم السرقة؟
فأجابه وسط دهشة الحاضرين:
- إذا كانت عن مهنة واحتراف، قُطعت يد السارق؛ أمّا إذا كانت عن جوعٍ وحاجة، قُطعت يد الحاكم.
عندها بكى هارون الرشيد حتى تعجّب من حوله، وقال:
- ما أعظمك من مستشار يا بهلول! لقد قسوت علينا، لكنّك ألزمتنا الحجّة.
ويُحكى أيضًا أنّ عمر بن الخطاب، بينما كان يتفقّد أحوال رعيّته ليلًا، لمح قومًا أوقدوا نارًا في الصحراء، فاقترب منهم وناداهم:
- يا أهل الضوء.
ولم يقل: "يا أهل النار"، خشية أن تجرحهم الكلمة قبل أن تصلهم النصيحة؛ لأنّ النفوس تُفتح بالمودّة، لا بالقسوة.
أمّا سيّدا شباب أهل الجنّة، الحسن بن علي والحسين بن علي، فقد رأيا رجلًا مسنًّا يتوضّأ على غير الصواب، فأرادا تعليمه من غير أن يحرجاه. فقالا له بأدب:
- نريدك أن تحكم بيننا: أيّنا لا يُحسن الوضوء؟
ثم توضّأ كلٌّ منهما أمامه، فلمّا انتهيا ابتسم الرجل وقال:
- بل أنا الذي لا يُحسن الوضوء.
وكذلك يُروى أنّ "أبو حامد الغزالي" جاءه رجل يسأله:
- ما حكم تارك الصلاة؟
فأجابه الإمام بحكمة المربّي ورحمة العالم:
- حكمه أن نأخذه معنا إلى المسجد.
فلم يُغلق الباب في وجهه، بل فتح له باب الهداية.
وهكذا يتبيّن لنا أنّ الحياة ليست ميدانًا لتصيّد الأخطاء، ولا ساحةً للتشفّي من عثرات الناس؛ بل هي فنّ في التعامل، وحكمة في القول، ورحمة في النصح، وسموّ في الأخلاق. فالكلمة الطيّبة قد تُصلح قلبًا، واللطف قد يفتح بابًا تعجز القسوة عن طرقه.
ويا ليتنا نتعلّم أن نلتقط الحكمة من كلّ كتاب، وأن نأخذ الرأي السديد من كلّ عاقل رشيد، وألّا نزن الناس بأهوائنا، فنضع الذهب في القبّان بدلًا من الميزان.
إنّ الأمم لا ترتقي بكثرة علمائها فحسب، بل بوفرة الحكماء فيها؛ أولئك الذين يُجيدون مداواة الأرواح قبل إصدار الأحكام، ويزرعون النور في القلوب بدل أن يكتفوا بإدانة العتمة. فالحكمة ليست كثرة كلام، بل بصيرة تُهذّب النفس، وعدلٌ يلين بالرّحمة، وقوّة تسمو بالأخلاق.