تقول مصادر غربية إن الرئيس جوزاف عون ربط خطوته التفاوضية بوقف شامل لإطلاق النار، محدداً ثوابت أي محادثات، وهي انسحاب "إسرائيل" من المناطق المحتلة، والإفراج عن الأسرى، والسماح بعودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وانتشار الجيش في منطقة جنوب الليطاني حتى الحدود.
وترى المصادر أنه كان يفترض بالرئيس، قبل الاندفاع نحو المحادثات، عرض خطته التفاوضية لتأمين دعم الغالبية لها، واستخدام هذا الدعم كورقة ضغط على الثنائي الشيعي الذي يصر على التوافق. وتشير إلى أنه كان ينبغي على الرئيسين عون وسلام، قبل المضي في التفاوض المباشر، إطلاق مشاورات مع القيادات الدينية والسياسية كافة للحصول على موافقة مبدئية بشأن سؤال أساسي: "هل على بيروت خوض مفاوضات مباشرة مع تل أبيب إذا كان من شأنها وضع حد للتدمير المنهجي الذي تتعرض له البلاد على يد إسرائيل، أم انتظار نتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران كما يطالب الثنائي الشيعي؟"، معتبرة أن ذلك يمس بسيادة البلد.
وتضيف أنه لو طُرح السؤال بهذه الصيغة، لكان من المستبعد أن يجيب معظم المشاركين بالرفض. وكان بإمكان الحكومة، حتى مع اعتراض البعض، الاستناد إلى نتيجة هذه المداولات. وترى أن الحكومة ما زالت قادرة على القيام بذلك، مع التأكيد أن الأمر لا يعفيها من مسؤولية إقناع الثنائي الشيعي بهذا المسار، بما يعزز قدرتها على طرح وجهة نظرها من موقع قوة خلال المفاوضات.
وتلفت المصادر إلى أن البيئة الشيعية شهدت حالة استياء من "حزب الله" عقب دخوله في حرب إسناد لإيران، إلا أن المشهد تبدل لاحقاً، إذ تشعر غالبية شيعية بأن تهميش الحزب قد يؤدي إلى إضعاف الطائفة، ما دفعها إلى الالتفاف حوله، خصوصاً بعد القصف الدامي الذي تتعرض له القرى الجنوبية وضاحية بيروت الجنوبية. وفي هذا السياق، تقلص هامش المناورة أمام الرئيس بري، علماً أن الوزراء الشيعة المحسوبين عليه كانوا قد صوتوا لمصلحة إعلان الأنشطة العسكرية للحزب غير قانونية.
وتتابع أن الرئيس بري لا يزال لاعباً محورياً في رسم المسار المقبل، وهو يطالب بإعادة تفعيل لجنة "الميكانيزم" كآلية تفاوض مع إسرائيل بإشراف أميركي وفرنسي. كما يعارض مفاوضات السلام والتطبيع، ويتقاطع موقفه مع رؤية وليد جنبلاط.
وتستنتج المصادر أن الرئيسين عون وبري قد يتوصلان إلى أرضية مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة". وتعتبر أن رئيس المجلس قادر على التحرك وإحراز تقدم مع الحزب وإيران في بعض الملفات إذا تحرك ضمن حدود رأي الغالبية اللبنانية.
وترى أن تراجع الحكومة عن التفاوض على اتفاق سلام، وعدم ترحيب إيران بصيغة محدثة من اتفاقية الهدنة لأنها تمنع استخدام الحدود كمنصة إيرانية، قد يؤديان إلى تقارب بين بري وعون. وتشير إلى أن الرئيس بري يدرك أن إيران مستعدة للقتال حتى آخر شيعي لبناني، بما يتعارض مع مصالحه ومصالح الشيعة عموماً. وقد يبدي استعداداً للدخول في محادثات تهدف إلى إقفال الجبهة العسكرية المفتوحة في جنوب لبنان، وهي خطوة تحظى بدعم شريحة واسعة من أبناء الجنوب.
وتعتبر المصادر أن توافق الأكثرية على صيغة اتفاق قد يسهم في إقناع الحزب وإيران بأن الشيعة لن يحصدوا سوى الخراب، لا سيما إذا فرضت واشنطن سلامها الإقليمي وتم عزلهم. ومن شأن هذه المرونة أن تساعد على بلورة إطار تفاوضي موحد من الجانب اللبناني.
وتؤكد أن أي مفاوضات يجب أن تؤسس لانسحاب إسرائيلي من الجنوب، وبسط سيادة الدولة، وتحييد لبنان عن الاحتلال الإيراني، وإنهاء سطوة الحزب على الدولة، وإعادة إعمار القرى المدمرة، بما يمكّن لبنان من استعادة سيادته وإطلاق عجلة النمو.
وكتب وجدي العريضي في "النهار" أن أحد الذين التقوا الرئيس بري قبل أيام نقل عنه تفاؤله، إلى حد ما، بنجاح المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان رئيس مجلس النواب يراهن على هذا المسار. ويترقب الجميع نتائج هذه المفاوضات وسط إصرار أميركي على ألا تفاوض إيران عن لبنان كما كان يحصل في مرحلة الوصاية السورية.
بدوره، أكد السفير اللبناني السابق في واشنطن أنطوان شديد لـ"النهار" أنه "لا يوجد أي فصل للمسار اللبناني الذي بات مستقلاً، بمعنى أن المفاوضات ستكون مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، أما تفاوض إيران عن لبنان فهذه المرحلة انتهت". وأضاف أن "الأجواء تشير إلى أن المفاوضات ستجري في واشنطن، وهذا يحمل أكثر من رمزية ودلالة، وسط إصرار أميركي واضح".
وأشار شديد إلى أن المفاوضات "لن تكون سهلة وستستغرق وقتاً، إلا أن العنوان الأبرز سيكون وقف إطلاق النار، والأهم سلاح حزب الله الذي قد يشكل بنداً أساسياً ومفصلياً". وختم بالقول إن "رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والمسؤولين اللبنانيين لن يتنازلوا عن أي شبر محتل من إسرائيل"، مضيفاً أن "المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية في واشنطن هي الأساس، والجميع يترقب الرد الإيراني على المقترحات الأميركية، وبعدها لكل حادث حديث".