لم يعد الخط الحدودي في جنوب لبنان مجرد فاصل جغرافي بين جيش الاحتلال والمقاومة، بل تحوّل إلى ساحة لإعادة تعريف كاملة لمفهوم السيطرة نفسه. فالمشهد الراهن لا يُدار من قبل العدو بمنطق التماس التقليدي، بل بمنطق "إعادة هندسة الأرض" عبر تحويل المرتفعات إلى مركز الثقل العسكري، حيث تصبح القمم هي التي تحدد اتجاهات الحركة، وحدود الاشتباك، وعمق التأثير في الجغرافيا المحيطة. في هذا الإطار، تتراجع أهمية الخطوط المستقيمة على الخرائط لصالح التضاريس الأكثر تعقيداً، التي تتحكم فيها التلال، والأودية، وقطاعات الرمي التي تعيد رسم قواعد الاشتباك من الأعلى إلى الأسفل.
لذلك، لا يدور الحديث في الدوائر الإسرائيلية فقط حول منع هجمات حزب الله أو احتواء تهديداته المباشرة، بل حول إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية بكاملها عبر سيطرة العدو على المرتفعات الحاكمة التي تمنح أفضلية في المراقبة والنار ومجالاً استخبارياً طويل الأمد. وفي هذا الشأن، تُعامل الحرب الحالية بوصفها فرصة لإنتاج "حزام سيطرة مرتفع" يمتد من القطاع الغربي حتى تخوم العرقوب، بحيث تصبح التلال والمرتفعات هي أساس العقيدة الدفاعية الجديدة في الشمال، لا الخط الحدودي التقليدي.
ضمن هذا التصور، تُعاد دراسة الخط الأصفر عبر تثبيت النسق الأول والانتقال إلى تشكيل خط نسق ثانٍ يتجاوز الخط الأول بعمق جديد يتراوح بين 10 و15 كلم. وذلك عبر احتلال “خط قمم” ثانٍ كبديل عن التوغل العميق داخل المدن والبلدات المكتظة، إذ إن السيطرة على المرتفعات تتيح إدارة الحرب بكلفة بشرية أقل، مع الحفاظ على قدرة دائمة على الرصد والاستهداف، لا سيما عبر المسيّرات. ولذلك تركزت العمليات البرية في المرحلة الأولى على احتلال تلة البياضة، ومرتفعات شمع، وتلال مارون الراس وميس الجبل، وتلال الخيام، وكفرشوبا وشبعا، باعتبارها نقاطاً تمنح إشرافاً مباشراً على مسارات الإمداد والطرق الحيوية والتحركات العسكرية المحتملة.
في خلفية هذا المشهد، يبقى العامل البشري حاضراً بقوة، وإن كان أقل ظهوراً في التحليل العسكري المباشر. فمنذ بداية التصعيد العسكري، شهدت القرى المحاذية لضفتي مجرى الليطاني ومحيط مرتفعاته، بما في ذلك مناطق الزوطر وأرنون والنبطية، نزوحاً سكانياً واسعاً ومبكراً نتيجة القصف المكثف، والإنذارات المتكررة بالإخلاء، والتهديدات المباشرة، ما أدى إلى فراغ سكاني كامل في العديد من القرى. وبالتالي، لا يرتبط التحول الديموغرافي الحالي بتطور تدريجي، بل بانقطاع سريع ومبكر للحياة المدنية في مناطق التماس، تحول لاحقاً إلى واقع ممتد بفعل استمرار الضغط العسكري، ما أعاد تشكيل العلاقة بين السكان والجغرافيا، وجعل بعض القرى فضاءات غير قابلة للاستقرار أو العودة الآمنة، خصوصاً في نطاق القرى الواقعة جنوب الليطاني وشماله وصولاً حتى نهر الزهراني، حيث يتداخل العامل العسكري مع انهيار نمط الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، اكتسبت المعارك المرتبطة بمحاولة تثبيت السيطرة على مجرى نهر الليطاني أهمية خاصة، ولا سيما في محيطي الزوطر الشرقية والزوطر الغربية، حيث أفشلت المقاومة مؤخراً توغلاً إسرائيلياً ضمن مجرى النهر، ما دفعه إلى إعادة التركيز على "استراتيجية المرتفعات" بوصفها بديلاً أكثر فاعلية وأقل استنزافاً من الانغماس في قتال طويل داخل المجرى النهري نفسه.
غير أن الموقع الأكثر حساسية في هذا السياق هو قلعة الشقيف في أرنون، التي تحولت من رمز تاريخي إلى "مفتاح استراتيجي" للقطاع الأوسط - الشرقي من جبل عامل. فالقلعة تقوم فوق مرتفع شاهق يطل على مجرى نهر الليطاني وسهل مرجعيون والطرق المؤدية نحو النبطية والبقاع، ما يجعلها عملياً منصة مراقبة طبيعية تكشف مساحة واسعة من العمق الجنوبي اللبناني. ومن هنا، لم تعد أهمية أرنون مرتبطة فقط بارتفاعها الجغرافي، بل بموقعها كبوابة جنوبية للنبطية وعقدة إشراف على الحركة بين القرى الجنوبية والداخل اللبناني.
كما تكتسب بلدة "أرنون" اللبنانية أهمية استثنائية في التحليلات والمرجعيات العبرية، حيث تُصنَّف هدفاً استراتيجياً يتجاوز قيمتها الجغرافية ليصبح رمزاً عسكرياً وتاريخياً. ويرتبط اسم "أرنون" في الوجدان العسكري العبري برباط وثيق يجمع بين الجغرافيا اللبنانية والرمزية الميدانية؛ فبينما يضع "التناخ" وادي أرنون جغرافياً في الأردن، استعار الوعي الإسرائيلي هذا الاسم ليطلقه على بلدة "أرنون" اللبنانية وقلعتها التاريخية. وإذا كان "أرنون" قد ذُكر في سياق الحديث عن لبنان في مراجع أو تحليلات، فهو غالباً يُقصد به بلدة أرنون اللبنانية التي اكتسبت قدسية عسكرية ـ لا دينية نصية ـ بسبب موقع قلعة الشقيف، التي توصف بـ"العين التي ترى كل شيء". وهذا الوصف يفسر الإصرار على استهداف البلدة وتدميرها مع قرى تجاورها شمال نهر الليطاني، في محاولة لتحويل هذه "العين" من نقطة رصد إلى ركيزة ضمن حزام سيطرة أمني مفترض، يمنح إشرافاً بصرياً ونارياً على مدينة النبطية ومحيطها.
فالسيطرة الإسرائيلية على القلعة تمنح قدرة على مراقبة التحركات على ضفتي الليطاني، كما يمنحها هذا الارتفاع الاستراتيجي إطلالة بانورامية تشمل جنوب لبنان، وسهل مرجعيون، وجبل الشيخ، وصولاً إلى الجليل الأعلى في فلسطين. كذلك تسمح بفرض ضغط دائم على محيط النبطية وإقليم التفاح، حيث الثقل الاستراتيجي للمقاومة، من دون الحاجة إلى اقتحامهما برياً. وبهذا المعنى، تتحول أرنون إلى نقطة فصل بين مرحلتين: مرحلة كان فيها الليطاني يمثل الحد العملي لأي توسع بري، ومرحلة جديدة يجري فيها نقل مركز الثقل العسكري نحو التلال الشمالية المشرفة على النهر ومحيطه.
غير أن هذه "السيطرة"، إن حصلت، تبقى محدودة بطبيعتها، إذ إنها لا تساوي بالضرورة السيطرة الفعلية على الأرض. فالسيطرة عليها تعني القدرة على الاستهداف والمراقبة ومنع الحركة ضمن نطاق معين، لكنها لا تعني القدرة على تثبيت وجود دائم أو إدارة يومية للمجال الجغرافي، وهو ما يوضح الفجوة الجوهرية بين نوعَي السيطرة. أما السيطرة الفعلية فتتطلب انتشاراً برياً كاملاً، وبنية لوجستية مستقرة، وقدرة على ضبط البيئة المحلية بشكل مستمر، وهذا ما يتوجس منه جيش الاحتلال.
وذلك لأن هذا النوع من التوسع يحمل، في الوقت نفسه، مخاطر استنزاف طويلة الأمد. فالسيطرة على المرتفعات لا تعني بالضرورة القضاء على التهديدات الصاروخية أو إنهاء حرب المسيّرات، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية يتمركز في مناطق أبعد من نطاق التوغل البري المباشر. فعلى الرغم من أن التمركز فوق القمم يمنح أفضلية في الرصد، فإنه يجعل المواقع الثابتة عرضة للاستهداف المرن والمستمر من قبل المقاومة، ما يضع أي وجود عسكري ثابت أمام تحدي الحفاظ على خطوط الإمداد والقدرة على الصمود تحت ضغط العمليات المتواصلة.
ورغم ذلك، يبدو أن الرهان الأساسي يقوم على تثبيت النسق الأول والانتقال إلى مرحلة متقدمة عبر فرض "حزام سيطرة مرتفع" يخلق واقعاً جغرافياً وعسكرياً جديداً يمنح تفوقاً واسعاً على المشهد الجنوبي، ويمنع المقاومة العسكرية في الجنوب من استهداف الجليل. وفي قلب هذا المشروع تقف قلعة الشقيف بوصفها العقدة الأكثر رمزية واستراتيجية، لأنها تختصر جوهر المعركة الدائرة حالياً، وتختصر المخطط الاستراتيجي الإسرائيلي القائم على فكرة أن: من يملك المرتفع، يملك القدرة على التحكم بالميدان بدرجة شبه حاسمة.