24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "زادُ البصيرة"!
"زادُ البصيرة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-12
"زادُ البصيرة"!

ليست العِبرة في طول السنين التي نقضيها إلى جانب العلماء، ولا في كثرة ما نسمع من المواعظ والخطب، وإنما العبرة في ذلك الأثر العميق الذي تستقر به الحكمة في القلب، فتتحوّل من كلمات تُقال إلى حياة تُعاش.
فكم من امرئٍ جاور الحكمة دهراً ولم يظفر منها إلا بضجيج الألفاظ، وكم من آخر لامست الحقيقة روحه مرّة واحدة فاستحال بها إنساناً آخر.

ويُروى أن عالماً جليلاً سأل تلميذه بعد صحبة امتدت ثلاثاً وثلاثين سنة: — منذ متى صحبتني؟ قال: منذ ثلاث وثلاثين سنة. فقال العالم متعجباً: — وماذا تعلمت مني طوال هذه المدّة؟ قال التلميذ في هدوء الواثق: — ثماني مسائل فقط.

فارتجف الشيخ أسفاً وقال: — ذهب عمري معك، ولم تتعلّم إلا ثماني مسائل؟

غير أنّ التلميذ لم يكن من أولئك الذين يجمعون المعارف كما تُجمع المتاع، ولا من الذين يكدّسون الأقوال في الذاكرة دون أن تبلغ شغاف القلب، بل كان رجلاً أدرك أن الحكمة الحقيقية ليست كثرة المعلومات، وإنما صفاء البصيرة وحسن العمل. فقال: — لم أتعلم غيرها، ولا أحب أن أكذب عليك.

وهنا أنصت العالم، لأن الصدق وحده يفرض الاحترام، وقال: — هات ما عندك.

فبدأ التلميذ يسرد خلاصات عمره، لا بوصفها دروساً نظرية، بل تجارب نضجت في محراب التأمل والإيمان.

قال: إنّي نظرت إلى الناس، فرأيت المرء يتعلّق بصاحبٍ أو قريب، فإذا واراه التراب انفضّ الجميع عنه، ولم يبق معه إلا عمله؛ فصاحبت الحسنات، لأنها الرفيق الوحيد الذي لا يخون صاحبه عند أوّل منازل الآخرة.

ثم تأملت قول الله تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾، فعلمت أن أعظم المعارك ليست تلك التي تدور في ساحات القتال، بل تلك التي يخوضها الإنسان في أعماقه ضد شهواته وأهوائه، فجاهدت نفسي حتى ألفت طاعة الله واستراحت إليها.

ورأيت الناس يحفظون نفائس أموالهم خشية الضياع، ثم قرأت قوله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾، فأيقنت أن ما يُنفق لله لا يضيع، وأن خزائن السماء أبقى من خزائن الأرض، فجعلت كل نفيس أملكه وديعة عند الله.

ثم رأيت الخلق يتفاخرون بالأنساب والأموال والمناصب، بينما ميزان السماء لا يزن إلا التقوى، كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، فعلمت أن الكرامة الحقيقية ليست فيما يعلّقه الناس على أسمائنا، بل فيما يراه الله في قلوبنا.

ونظرت إلى الحسد كيف ينهش الأرواح، وكيف يحوّل النعم إلى جراح، فعلمت أن الله هو الذي قسم الأرزاق بين عباده بحكمة وعدل، فتركت الحسد، لأن الاعتراض على القسمة اعتراض على الحكمة الإلهية ذاتها، ورضيت بما قسمه الله لي، فاستراح قلبي.

ثم رأيت الناس يتعادون ويتباغضون ويهلك بعضهم بعضاً، بينما العدوّ الحقيقي الذي توعّد الإنسان منذ فجر الخليقة هو الشيطان؛ فتركت الاشتغال بخصومات البشر، وانصرفت إلى مجاهدة العدو الذي لا ينام.

ورأيت الخلق يذلّون أنفسهم في طلب الرزق، وربما طرقوا أبواب الحرام خوفاً من الفقر، فتذكّرت قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾، فعلمت أن الرزق مضمون، وأن الكرامة أغلى من الدنيا كلها، فاشتغلت بما لله عليّ، وتركت ما لي عنده سبحانه.

أما الأخيرة، فهي تاج تلك الحكم جميعاً: رأيت الناس يتوكّلون على أموالهم، أو جاههم، أو سلطانهم، أو علاقاتهم، فإذا عصفت بهم المحن تهاوت تلك الدعائم كلها، فوجدت أن الركن الذي لا ينهار هو الله وحده، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ومن يتوكّل على الله فهو حسبه﴾، فأخلصت توكّلي لله، لأن من اتكأ على الخلق سقط بسقوطهم، ومن اتكأ على الله بقي ثابتاً ولو تزلزلت الأرض تحت قدميه.

عندها أدرك الشيخ أن تلميذه لم يتعلّم ثماني مسائل فحسب، بل تعلّم الدين كلّه في جوهره؛ تعلّم كيف يزهد فيما يفنى، ويتمسّك بما يبقى، وكيف يربح نفسه قبل أن يربح الدنيا.

فقال له، وقد تجلّت له حقيقة العلم: — أنا تلميذك من الآن.

وهكذا تبقى الحكمة الحقيقية قليلة الألفاظ، عظيمة الأثر؛ لأن القلوب لا تُقاس بما تحفظ، بل بما تهتدي إليه. فربّ كلمة واحدة تغيّر مصير إنسان، وربّ علمٍ كثير لا يجاوز الآذان.

إن الإنسان في آخر المطاف لا يحتاج إلى أن يحمل الدنيا كلّها في رأسه، بل يكفيه أن يحمل نوراً في قلبه يهديه إذا ادلهمّت الطرق، ويثبّته إذا تفرّقت بالناس السبل.

جنوبيات
أخبار مماثلة