24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "أذكى من إياس!"
"أذكى من إياس!"
القاضي م جمال الحلو
2026-05-18
"أذكى من إياس!"

من الأمثال العربية القديمة التي ما زالت حيّةً على ألسنة الناس إلى يومنا هذا قولهم: «أذكى من إياس»، وهو مثلٌ يُضرَب في شدّة الذكاء، وحدة البصيرة، وصدق الحدس. غير أنّ كثيرين يردّدون هذا المثل من دون أن يعرفوا قصّته، ولا الرجل الذي اقترن اسمه بالفطنة والدهاء حتى صار رمزًا لهما في التراث العربي.

إنّه القاضي إياس بن معاوية بن قُرّة المزني، الذي تولّى قضاء البصرة في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، واشتهر بين الناس برجاحة العقل، وسرعة البديهة، ودقّة الملاحظة، حتى غدا مضربًا للأمثال.

ويُروى أنّ إياسًا سمع يومًا نباح كلبٍ لم يره، فقال لمن حوله:
«هذا الكلب مربوطٌ على شفير بئر».
فاستغرب الحاضرون كلامه، ثم ذهبوا يستطلعون الأمر، فإذا بالكلب كما وصف تمامًا. فسألوه: كيف عرفت ذلك؟
فقال: «سمعتُ نباحه يخرج من موضعٍ واحد، ثم سمعتُ صدًى يجيبه، فعلمتُ أنّه قريبٌ من بئر».

ولم تكن هذه الحادثة سوى واحدة من المواقف الكثيرة التي دلّت على نفاذ بصيرته وقوّة استنتاجه. فقد دخلت عليه يومًا أربع نسوة، فقال من فوره:
«إحداكنّ حامل، والثانية مرضع، والثالثة ثيّب، والرابعة بكر».
فدهشت النساء من صوابية كلامه، وسألنه عن سرّ معرفته، فقال:
«أمّا الحامل فكانت أثناء حديثها ترفع يدها إلى بطنها، فعرفت أنّها حامل. وأمّا المرضع فكانت تضرب على ثديها بين الحين والآخر، فعلمت أنّها مرضع. والثيّب كانت تنظر إليّ مباشرةً بثبات، فعلمت أنّها ثيّب. أمّا البكر فكانت تُخفض بصرها إلى الأرض ولا تكاد ترفع طرفها، فعلمت أنّها بكر».

ومن طرائف ذكائه أيضًا أنّه رأى جاريةً في المسجد تحمل طبقًا مغطّى بمنديل، فقال لمن حوله:
«في طبقها جراد».
فلمّا كشفوا الغطاء وجدوا الأمر كما قال. فسألوه: كيف أدركت ذلك؟
فأجاب: «رأيتُ الطبق خفيفًا على يدها، فعلمت أنّ ما فيه ليس طعامًا ثقيلًا، والجراد أخفّ ما يكون حملًا».

لقد ذاع صيت إياس في عصره حتى صار اسمه مرادفًا للفطنة والذكاء، وتحوّل مع الزمن إلى مثلٍ شعبي خالد، يختصر في كلمتين صورة العقل المتّقد والحدس الصائب.

غير أنّ العبرة الأعمق في سيرة هذا القاضي ليست في الذكاء وحده، بل في حسن توظيفه؛ فالفطنة الحقيقية ليست استعراضًا للقدرات، بل قدرة على فهم الناس، وقراءة الوقائع، واستنباط الحقيقة من أدقّ التفاصيل. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى عقولٍ تُحسن الإصغاء والملاحظة والتحليل، بدل التسرّع والانفعال وسوء التقدير.

فلو وُجد في زماننا شيءٌ من حكمة إياس، لربّما خفّت عن الناس كثيرٌ من الأزمات والمشكلات التي تستعصي، لا بسبب تعقيدها، بل بسبب غياب العقل الراجح والبصيرة النافذة.

جنوبيات
أخبار مماثلة