24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "بُخلُ النفوس"!
"بُخلُ النفوس"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-22
"بُخلُ النفوس"!

 

ثمّة بخلٌ لا يدخل في خانة المال أبدًا، بل هو أشدُّ فتكًا وأعمق أثرًا؛ لأنّه يطال جوهر الإنسان وقيمه. فهناك بخيلُ الأخلاق الذي لا يصدر عنه إلّا كلُّ قبيح، وكأنّ الفضيلة غريبةٌ عن طبعه، بعيدةٌ عن سلوكه. وانعدام الأخلاق كارثةٌ إذا تفشّت في مجتمعٍ دمّرته، لأنّ الأمم لا تُبنى بالمال وحده، بل تُبنى بالقيم والمبادئ والضمائر الحيّة. وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:

«وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا».

وهناك بخيلُ الابتسامة، الذي لا يرسم على وجهه سوى العبوس والتجهّم، ناسِيًا أنّ الكلمة الطيّبة صدقة، وأنّ تبسُّمك في وجه أخيك حياةٌ تُزرع في القلوب قبل الوجوه. وقد أجاد الشاعر إيليا أبو ماضي حين قال:

«قال: السماءُ كئيبةٌ وتجهّما
قلتُ: ابتسمْ، يكفي التجهّمُ في السما».

وهناك بخيلُ الصدق والأمانة والوفاء بالعهود، وهو من أخطر الناس أثرًا؛ لأنّه يهدم الثقة بين البشر ويزرع الشكّ في النفوس. وقد ورد في الحديث النبويّ الشريف: «آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».

غير أنّ أبشع أنواع البخل، هو بخلُ النفوس التي لا تتمنّى الخير لأحد، وتضيق ذرعًا بكلّ نجاح أو فرح أو تقدّم للآخرين. وفي مقدّمة هؤلاء يبرز البخيل السياسيّ، الذي تجتمع فيه، في كثيرٍ من الأحيان، كلُّ أنواع البخل التي ذكرناها: بخلُ الأخلاق، وبخلُ الصدق، وبخلُ الرحمة، وبخلُ الشعور بالناس.

فالبسطاء هم أجملُ الناس ابتسامةً، وأصدقهم مشاعر، وأقلّهم تكلّفًا؛ لأنّهم يعرفون كيف يصنعون من القليل فرحًا، ومن التعب صبرًا، ومن المحبّة وطنًا صغيرًا للطمأنينة. لذلك، سلامٌ على البسطاء الذين لم تُفسدهم المصالح، ولم تُطفئ فيهم الحياة نور القلب.

ومن القلب، شكرًا لكلّ الذين يتركون في أرواحنا أثرًا جميلًا، يجعلنا نبتسم حين تشتدّ قسوة الحياة، ويمنحنا يقينًا بأنّ الخير ما زال يسكن بعض البشر.

ومن العقل، تعسًا لساسةٍ في لبنان جعلوا السياسة مرادفًا للخساسة، وحوّلوا الوطن إلى مساحةٍ للصفقات والمصالح الضيّقة، يبيعون شعبهم في سوق النخاسة، ويبخلون عليه بأبسط حقوقه في الكرامة والعيش الكريم، فضلًا عن الأخلاق والآداب وحسن التصرّف.

وفي محصّلة الأمر، يبقى الإنسان غنيًّا بأخلاقه لا بما يملك، كريمًا بإنسانيّته لا بما يُظهره للناس. فكم من فقيرٍ أغنى القلوب بمحبّته، وكم من صاحب جاهٍ ومالٍ عاش فقير الروح، موحش الأثر. إنّ المجتمعات لا تنهار حين يقلّ المال، بل حين يندر الصدق، وتجفّ الرحمة، ويصبح البخلُ بالقيم أسلوب حياة.

وقد أحسن أحد الشعراء بقوله:

«يسوسون الأمورَ بغير عقلٍ
فينفَّذ أمرُهم ويُقالُ: ساسةُ
فأفٍّ من الحياةِ وأفٍّ منّي
ومن زمنٍ سياستُه خساسةُ».

 

أخبار مماثلة