يتصاعد دخان المشهد اللبناني يوماً بعد آخر، في وقتٍ يراهن فيه كثير من اللبنانيين على تسوية خارجية تُلقي بظلالها على الواقع الداخلي، فيما يرى آخرون أنّ للميدان الكلمة الفصل في رسم مستقبل لبنان.
ورغم هذا الدرب الطويل من الأزمات والآلام، تبقى ثمّة رؤى تحاول انتشال البلاد من براثن التحديات المصيرية، وفي مقدّمها المقاربات الجدية للفساد المستشري، والإصلاح الذي بات ضرورة وطنية لا ترفاً سياسيّاً في هذه المرحلة المفصلية من عمر لبنان الكيان.
ابن طرابلس، الدكتور بول الحامض، حمل منذ عقود على عاتقه مشروع النضال في سبيل بناء رؤية متكاملة لإصلاح إداري شامل، تكون مقدّمة لإدارة لبنانية شفافة، قائمة على الكفاءة والمعايير الواضحة في اختيار الخبرات، والتعاطي مع تفاصيل المواطن اللبناني واحتياجاته.
ويرى الحامض أنّ "لبنان يقف اليوم في قلب صراع دولي كبير يدور في جوهره حول الثروات والمصالح، ويتخذ أبعاداً متعددة سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً. إلا أنّ هذا الواقع، يفرض على القيّمين على الشأن اللبناني مسؤولية الإسراع في تحصين الإدارة اللبنانية عبر استراتيجية واضحة ورؤية بنيوية مستقبلية، لأن أي انهيار إضافي في بنية الإدارة سيقود البلاد إلى نتائج خطيرة، فيما سيبقى أي حديث آخر مجرّد لعبٍ في الوقت الضائع".
ويشدّد الحامض على أنّ "اللامركزية الإدارية تشكّل أحد أبرز المفاتيح لمعالجة الأزمات اللبنانية المتراكمة، لما تفتحه من آفاق أمام تطوير المناطق اللبنانية وتعزيز الإنماء المتوازن"، مشيراً إلى أنّ "تجارب عالمية عديدة، وفي مقدّمها التجربة السويسرية، تستحق قراءة عميقة والاستفادة من عناصر نجاحها".
وفي ما يتعلّق بالعلاقة بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر، يؤكد الحامض "وجود علاقة بنيوية وجوهرية بين الطرفين، إلا أنّ هذه العلاقة يجب أن تقوم على دعم الأفكار الإنتاجية والمشاريع التنموية التي تعزز الشراكة الوطنية، لا أن تبقى محصورة باستثمارات شخصية أو مصالح سياسية ضيقة تخدم بعض قوى السلطة والدائرين في فلكها".
ويختم الحامض بالتأكيد على أنّ "مستقبل لبنان يمكن أن يكون "حلواً"، شرط أن يدرك اللبنانيون أنّ أي محاولة للإنقاذ لن تحقق النتائج المرجوة قبل إحداث تغيير حقيقي في الرؤى السياسية والأفكار المرتبطة بمن يمثلهم، وقبل خوض نضال فعلي من أجل الإصلاح الإداري الشامل، واعتماد اللامركزية طريقاً للعبور نحو الدولة الحديثة".