24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "العافية القاتلة"!
"العافية القاتلة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-24
"العافية القاتلة"!

العنوان صادم، لكنّ معرفة السبب تُذهب العجب!

إنّها حادثة طريفة رواها لي رفيق الدراسة، المحامي الأستاذ وليد أبو ديّة، الذي يُلقَّب بحقٍّ بـ«ذاكرة نقابة المحامين». وهو أديبٌ مرهف الحسّ، ذوّاق للشعر، وصاحب أذنٍ موسيقيّة رفيعة. كما أنّه صديق لعائلة الفنّان الكبير الراحل وديع الصافي ومحاميها، فضلًا عن كونه نجل المطرب الكبير جميل أبو ديّة، رحمه الله، أستاذ العتابا والميجانا والمعنّى والقصيد، وأحد مؤسّسي الغناء البلدي في الإذاعة اللبنانيّة. وقد ورث عن أبيه اللّباقة، والأناقة، وحسن التصرّف.

والحادثة حقيقيّة، وقد وقعت في ليبيا، مع كامل محبّتنا وتقديرنا للشعب الليبيّ العزيز.

فقد أحيا الفنّان الراحل وديع الصافي حفلًا غنائيًّا لإحدى القبائل الليبيّة. وما إن صعد إلى المسرح حتّى استقبله الحضور بتصفيقٍ حارّ، فانحنى شاكرًا، وقال بعفويّته اللبنانيّة المحبّبة: «الله يعطيكم العافية».

ساد الصمت لوهلة، ثمّ تقدّم مقدّم الحفل وقال مبتسمًا:  نحن ندرك، يا أستاذ، أنّك تتكلّم بلهجتك اللبنانيّة، غير أنّ هذا الدعاء يعني في منطقتنا الدعاء بالموت؛ إذ إنّ الراحة والعافية تكونان بعد الرحيل!

فابتسم وديع الصافي بسرعة بديهته المعهودة، والتفت إلى الحضور قائلًا:  «حقّكم عليّ... الله لا يعطيكم العافية!».

فضجّت القاعة بالضحك، وتحولت الهفوة اللغويّة إلى لحظة ودٍّ وإنسانيّة لا تُنسى، أكّدت أنّ اختلاف اللهجات قد يُربك المعنى أحيانًا، لكنّه لا يُفسد المحبّة بين أبناء اللغة الواحدة.

وهنا يخطر في البال سؤالٌ عميق: ماذا لو حلّت اللهجات محلّ العربيّة الفصحى، الجامعة لألسنتنا وقلوبنا وذاكرتنا الحضاريّة؟

حينها قد يصبح للكلمة الواحدة أكثر من معنى، وللدعاء أكثر من وجه، وللمحبّة نفسها أكثر من تأويل. وما هذه الحادثة الطريفة إلّا دليلٌ حيّ على أنّ العربيّة الفصحى لم تكن يومًا ترفًا لغويًّا، بل كانت، وما تزال، الجسر الذي تعبر عليه المعاني بسلام من قلبٍ إلى قلب.

ولعلّ أشدّ ما يُؤلم، أنّ بعض السياسيّين في أوطاننا صاروا يتقنون لغة المصالح أكثر من لغة الشعوب، يلهثون وراء المناصب ولو دفع الناس أثمان ذلك تعبًا وفقرًا وخرابًا. وهؤلاء لا تنفع معهم لا الفصحى ولا اللهجات، لأنّ آذانهم أُغلقت عن أنين الأوطان.

رحم الله زمنًا كانت فيه الكلمة تجمع ولا تفرّق، وتُحيي ولا تميت، وتبني الإنسان بدل أن تهدمه.


 

أخبار مماثلة